تكنولوجيا

بين لغة الجسد والثقافة.. هل هُناك تعبيرات عالمية عن المشاعر؟


التعبير عن المشاعر هي مُحاولة منّا للتحرر من ثِـقَلِها أو بالأحرى؛ تُعبّر هي عنّا. أمّا بالنسبة لعلمِ النفس، فتُعرّف المشاعر بأنها إدراكٌ للأحداث داخلَ الجسدِ وترتبطُ ارتباطًا وثيقًا بالعاطفة. وبالنسبة لكثيرٍ من الباحثين، فإنّ المشاعر عبارةً عن حالةٍ مُعقدة والتي تؤدي بطبيعتِها إلى تغيراتٍ نفسيّة وجسديّة، وقد تؤثر على سلوك الشخص. فنجدُ مثلًا أنّ مشاعرَ الشخص الاجتماعيّ تكون أوضح وصور التعبير عنها أدق، على عكس الشخص الانطوائيّ الذي يميلُ لإخفاءِ مشاعرِه، وتبقى المشاعر صفةً إنسانيةً نشترك بها جميعًا، فهل يوجد تعابير عالمية مشتركة عن هذه المشاعر؟

وفي مقالي اليوم، سآخذكم معي في جولةٍ سريعة ومُختلفة داخلَ عالم المشاعر الرَحِب لنحاول الإجابة على هذا السؤال، وسنرى معًا إن كان كل العالم بأسرِه يُعبر عن مشاعرِه تمامًا مثلنا.

”نحنُ لم نتعلم أبدًا كيفَ نتحدث من خلالِ وجوهنا تمامًا كما نتحدث باستخدامِ الكلمات“

– بول إيكمان

أبسط الطرق للتعبير عن المشاعِر

المشاعرُ جزءٌ لا يتجزأ من حياتِنا اليوميّة، فهي تلعبُ دورًا مهمًا في حيواتنا جميعًا بلا استثناء. فنحنُ نشهدُ كل يومٍ كميةً مهولةً من مشاعر الآخرين ونُحاول بشتى الطرق ترجمة ماذا تعني كلماتهم وكيفَ يشعرون بالتحديد، وفي ذاتِ الوقت، نحاول أن نتعاملَ مع مشاعرنا الخاصّة وتخطي تجاربنا العاطفية المُعقدة. وفي بعضِ الأحيان نشعُر وكأنّ مشاعرنا أصبحت هي من تتحكم في أسلوبِ تفكيرنا وحتى سلوكنا، وكأننا بتنا نُسلمها زمام الأمور كلها دون أن نعي.

إلا أنّ المشاعر للكثير من الناسِ تبقى غامضةً ومُربِكة ويصعُب عليهم فهمها أو التعامل معها، فما بالُكَ بالتعبيرِ عنها؟ ولهذا تُعتبر صفحة وجوهنا الأبسط بين كل الطرق، فهي لا تتطلبُ منكَ مجهودًا لتُظهرَ ردة فعل. فأنت ستجدُ ابتسامةً قد رُسمَت تلقائيًا إذا أهداكَ أحدهم شيئًا.

وعلى الأغلب، فأنتَ قد سمعتَ من قبل أنّ لغةَ الجسد من إشاراتٍ وإيحاءات قد تختلفُ في المعنى كليًا من ثقافةٍ لأخرى، ولكن هل ينطبقُ هذا أيضًا على تعابير وجوهنا؟ هل ابتسامة أحدهم قد تكون هي نفسها تجهّم شخصٍ آخر؟ في الواقع لا، الأمر ليس هكذا تمامًا، وقد تطلّب من الباحثين دراسةَ العضلات الأربعين المتواجدة داخل توليفات وجه الإنسان، والتي من خلالِها نستطيع خلقَ آلاف التعبيرات المُختلفة والمميزة كل يوم.

تعابير وجهك ليست مألوفة حول العالم كما تظن

لأكثرِ من قرنٍ، تساءلَ العلماء عمّا إذا كان كل البشر يختبرون المدى نفسَه من المشاعر، وإن كانوا يختبرونَها بالفعل فهل يُعبّر جميعهم عنها بنفسِ الطريقة؟ وفي سبعينيات القرن التاسع عشر كان هذا هو السؤال الجوهريّ الذي بدأ داروين من عنده رحلته في البحثِ عن الحقيقة والصواب، وقد أثمرت رحلته تلك عن كتاب”The expression of emotions in Man and Animals“، الذي شرح فيه رؤيته بكل وضوح وشفافية، فقد رأى داروين أن التعبيرات هي سمة بشرية مُشتركة. 

ولكن القليل كانوا يوافقونَه الرأي حينها، وظلّ الأمر على حالِه حتى مُنتصف القرن العشرين حين اقتنع الكثير من الباحثين بأنّ الطرق المُحددة التي نُظهر بها مشاعرنا هي سلوكٌ مُكتسب يتفاوت تبعًا لاختلافِ الثقافات. أما الباحث سيلفان تومكنز فقد كان من القلّة الذين يصرّون على عكسِ ذلك ويقفون مع داروين على نفسِ الضفّة.

وفي ستينيات القرن الماضي، جاء الطبيب النفسيّ والباحث في مجال علم النفس في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو، بول إيكمان ليفضّ الجدالَ القائم بين مُختلف الباحثين، وليربطَ بين النظريتيْن المُتضادتيْن من خلال بحثِه الخاصّ.

وقد قام إيكمان خلال هذا البحث بفحصِ المئات من تعابير الوجوه المُختلفة المتنوعة لأشخاصٍ عدّة. ولكن ذلك لم يستطع إشباع شغف إيكمان فشدّ رِحالَه وقرر السفر للقبائل النائية والمعزولة عنِ العالم الحديث والتي لم يسبق وأن كان لها أي احتكاكٍ بالعالم الغربيّ، وكان أبرزُ تلك القبائل من بابوا غينيا. وعرض عليهم إيكمان خلال بحثِه ذاك صورًا قد تمّ تصميمِها خصيصًا لإثارةِ مشاعرٍٍ مُعينة، وكان من بين تلك الصور صورةً لشخصٍ يستعدُّ للحربِ والدفاع عن وطنِه، وآخرٌ قد فقد عزيزًا عليه للتوّ، وطلب منهم إيكمان أن يصفوا له الشعور الذي تنقلُه كل صورة لهم.

 Dr.Paul Ekman in Guinea

وقد اكتشفَ إيكمان في أبحاثِه أنّ تلك الشعوب كانت قادِرة على مُطابقة الصور بشكلٍ صحيح مع ما يُناسبها من مشاعرٍ، فكانت الأولى من نصيبِ الغضب والثانية ذهبت للحُزن. ولكنه لاحظَ أيضًا أنه كلما أصبحت المشاعرُ دقيقةً أكثر صعُبَ عليهم تمييزها، فكانوا يخلطون مثلًا بين شُعوريْ الخزيْ والازدراء، ومن هُنا أدركَ إيكمان أنه كلما زادت دقة المشاعر كلما أصبحت الصورة بالنسبة لهم أكثر ضبابيةً وتشويشًا.

وقد أدّت بحوثٌ إضافيّة إلى تأكيدِ فكرة داروين وتومكنز بأنّ بعضًا من أهمّ تعبيراتِ وجوهنا هي بالفعل كونيّة، ومع ذلك، فإنّ درجاتِ التعبير عن ذات الشعور قد تتفاوت من شخصٍ لآخر تبعًا لخلفيته الثقافية والبيئة التي نشأ فيها.

ولأنّ دراسة واحدة تجرّ وراءها عشرات الدراسات، فقد قرر الباحثون بعد إيكمان إجراء دراسةٍ على الأشخاص الذين يولَدون مكفوفين، مُفترضين أنه إذا كانت التعبيرات لا تنبُع من تلقاء نفسها أو بالفطرة البشرية سيكون لكلٍ منهم تعبيراته الخاصّة التي اختلقها، وقد كشفت الدراسة أنهم جميعًا أظهروا بالفعل نفس التعبيرات تمامًا التي أظهرها أقرانهم من المُبصرين، فعند ربح المباراة، ابتسموا جميعهم لا إراديًا دونَ أن يُملي عليهم أحدهم كيف يتصرفون. ولكن كما سبق وأن ذكرنا مع قبائل غينيا، فكلما زادت دقة الشعور، صعُب عليهم التعبير عنه، ما يُنقص فرصَه في أن يُصبح تعبيرًا عالميًّا بالتأكيد.

بين مئات المشاعر، ما هي الـ ٥ التي حالفها الحظّ؟

”المشاعرُ هي اللغة العالميّة الوحيدة التي بإمكانِها الكشفَ عن هويتك الأصليّة بلا أي زيفٍ أو خداع“

– جوديث رايت

والسؤال الذي يطرحُ نفسَه هُنا هو إذا كان إيكمان وغيره من الباحثين على صواب، فما الذي يميّز تعابير معينة عن غيرِها ويجعل منها تعابير عالميةً إذا؟ وللإجابة على هذا السؤال، فقد أوجدَ الباحثون العديد من النظريات التي تعتمدُ على تاريخ التطور البشريّ. وإحدى هذه النظريات تُرجِع السبب إلى كونِ بعض التعبيرات أهم من غيرِها للبقاءِ على قيدِ الحياة، فعلى سبيلِ المِثال لا الحصر؛ إنّ تعبير الخوف يُنبّه الآخرين فورًا بوجودِ خطرٍ يداهمهم.

وقد كشفت الأبحاث التي درست ردود الأفعال البشريّة أننا نولّي اهتمامًا أكبر بالوجوه التي تُعبّر عن وجودِ تهديدات مُقارنةً بالوجوهِ المُحايدة. وقد توصلّت الأبحاث إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد وُجدَت الكثير من الأدلّة التي تؤكد أن مشاعرنا تجمعها علاقةً وطيدة بوظائفِ أعضائنا، فشعورُ الخوف أيضًا يُمكن أن يُساعدَ بشكلٍ قويّ ومُباشر في تحسين فرصنا للنجاةِ في المواقف التي تهدد حياتنا، عبر تمكين أعيننا من استيعاب المزيد من الضوء ورئتينا من استنشاقِ المزيد من الأوكسجين، اللذين بدورِهما يُبقيانا في حالةِ استعدادٍ وتأهبٍ تحسبًا للمواجهة أو الفرار.

وبالعودة بضع خطوات للوراءِ عبر الزمن، وإذا نزلنا تمامًا عند محطةِ ستينيات القرن الماضي التي كنا فيها منذ قليل، سنستطيع العثورَ على الحلقةِ المفقودة من القصّة، ألا وهيَ تعرّف إيكمان على الخمسِ تعبيرات الأساسية التي يُظهرها كل البشر على حدٍ سواء بنفس الطريقة وبلا أي فرقٍ ولو كان طفيفًا.

الغضب:

وأول هذه التعبيرات، هو التعبير عن شُعور الغضب الذي يُصاحبه انخفاضٌ للحاجبيْن مع تقاربهما ويُلازمهما عيونٌ مشدودة وضيّقة.

الاشمئزاز:

ويقترن التعبير عن هذا الشعور بسحبٍ للشفاه إلى الأعلى وتغضنٍ للذقن والأنف.

الخوف:

أما في حالةِ الخوف، فإنّ بياضَ العينيْن ينكشف مع ارتفاعٍ للحاجبيْن وتفرقٍ للشفاه عن بعضها البعض تاركةً للفمِ مساحةً للتمدد.

الحزن:

أما شعورُ الحزن فتدلّ عليه الزوايا الداخليّة للحاجبيْن، إذ ينسحبان نحو الداخل ومع تدّلٍ للجفونِ وتقوّسٍ بسيطٍ للفم.

السعادة:

وأخيرًا، وبالتأكيد توجد السعادة، حيث تنسحب الشفاه للأعلى ويرتفع معهما الخدّان مُسببين بضعة تجاعيد حول العينيْن.

وبالحديثِ عن تعبير السعادة، فسأقتبسُ بدوري من كتاب إيكمان ”Telling Lies“ والذي كتب فيه:

”في رأيي، إنّ الابتسامات هي أكثر تعابير الوجه التي لا تحظى بالتقديرِ الكافي، وهي أكثر تعقيدًا مما يعتقده الكثيرون، فهُناك الملايين من الابتسامات، وكلٌّ منها يختلفُ في المظهرِ والرسالة“

 

وأخيرًا، وقبل أن أسدِلَ الستار على مقالي اليوم، أريد فقط أن أذكركَ بأنك إن وجدتَ نفسك يومًا ما مُحاطًا بالغرباءِ فوقَ جزيرةٍ مهجورةٍ، فإن ابتسامةً وديّة واحدة كفيلة بأن تجعل كل شيء على ما يُرام!

اقرأ أيضًا: الأشجار تتحدّث وتشعر: هذا ما اكتشفه العلم عن اللغة السريّة للأشجار

ذو صلة:





المصدر الاصلية للمحتوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى