تكنولوجيا

عندما يعجز اللسان عن القيام بإحدى مهامه ويقف حاجزًا بينك وبين طموحك


ربما تتذكر صديقك في المدرسة، الذي كان يمقت التحدث في الصف، سواءً مع الزملاء بشكل جماعي، أو الوقوف أمام السبورة وتسميع الدرس، يخاف إلقاء خطاب أو قراءة موضوع التعبير ويكره ذلك، بل ربما أنت كنت كذلك، وقد تعتقده خوفًا عاديًا، فهناك الكثير من طلاب المدارس الذين لا يفضّلون الوقوف أمام زملائهم والقيام بتلك المهمات، ولكن ما نقصده هنا هو الرعب الحقيقي عند التفكير في تلك المهمات، الارتباك غير الطبيعي، تمنّي الموت بدلًا من الوقوف أمام الجميع.

عمليًا، يعاني الإنسان الطبيعي من درجة معينة من الارتباك والعصبية والقلق عند إلقاء خطاب أو عرضٍ تقديمي على خشبة المسرح أو أي منصة، ولكن تراه ما زال قادرًا على تمالك نفسه والتعامل مع الموقف، ويجتازه في النهاية على الرغم من عدم استمتاعه بالموضوع، ولكن أولئك الذين يعانون من الخوف المفرط، يتجنبون تمامًا وعن عمد المواقف التي يتعين عليهم فيها الوقوف والتحدث أمام العامة، وهذا الخوف هو حالة نفسية واضطراب يتأطر في مصطلحٍ علمي نسميه الغلاسوفوبيا.

مفهوم الغلاسوفوبيا: إعاقة ذاتية في أحد أجزاء الجسم المهمة!

مصطلح الغلاسوفوبيا (Glossophobia) بحرفيته يعني رهاب اللسان، وهو مشتق من الكلمة اليونانية (γλῶσσα glōssa) التي تعني اللسان، وكلمة (φόβος phobos) التي تعني الرهاب أو الفوبيا والخوف، وبينما أحد أهم وظائف اللسان هو التحرك بحرّية لجعلنا ننطق مخارج الحروف والكلمات بشكلٍ صحيحٍ جيد، فأحيانًا يقف عائقًا بيننا وبين طموحاتنا لأنه يأبى التكلم! بالتأكيد عانى كلٌ منّا في مرحلة ما من حياته من خوف التحدث علنًا، ولكن المُصاب بالغلاسوفوبيا غبر قادر على التحكم في أعصابه ولديه “رُعبٌ” شديد من التحدث أمام جمهور، قد يصل إلى مرحلة الانهيار العصبي.

لا يعني رُهاب اللسان بالضرورة أن تخاف من التكلم والإلقاء أمام “جمهورٍ” كبير فقط، يكفي أن تكون على وشك التحدث في موضوعٍ أمام أحدهم، التحدث في الاجتماعات، في الفصل الدراسي، أو في أي موضع يتطلب أن تكون أنت المتكلم الوحيد، وهو ما ينتج عنه آثار ليست بعيدة المدى لأنه مرتبط تمامًا بحياة المريض اليومية، ما يعيقه في التقدم في حياته العملية، يؤثر على صحته العقلية، وغالبًا ما يفقد القدرة على تعزيز فرصه الأكاديمية والمهنية، لأنه لا يمكنه الظهور وإثبات نفسه.

كيف يشعر مُصاب الغلاسوفوبيا؟

يشعر تمامًا وكأنه سيموت عندما يحين وقت تكلّمه، الشعور بالذعر والقلق والتوتر عند التكلّم أمام شخصٍ أو مجموعة قليلة وكأن هناك شيئًا فظيعًا سيحدث له. كل تلك الاضطرابات تنبع من خوف هذا الشخص من حُكم الآخرين عليه، يخاف من الإحراج خلال تكلّمه وقد يتخيل نفسه مُحرَجًا بسبب موقف ما قد يحصل، وهو ما يزيد الطين بلّة، فبمجرّد تخيّله للحالات السيئة، سيضطرب وتبدأ الأعراض بالظهور.

الأعراض: كيف يبدو مصاب رهاب اللسان بالنسبة للعامة؟

الغلاسوفوبيا عندما يعجز اللسان عن القيام بإحدى مهامه ويقف حاجزًا بينك وبين طموحك

هي حالة مخفيّة غير مرئية في أغلب الأوقات بالنسبة للمراقب الخارجي، لأن المصاب بالغلاسوفوبيا سيتمكن من العمل بشكل جيد وأداء واجباته سواء في المنزل أو المدرسة أو مكان العمل، طالما لم يُطالَب بالحديث مع أحد أو أمام جماعة أو حضور كبير قليلًا.

قد يظهر هذا الرهاب بشكل مختلف عند الأطفال الصغار عنه عند البالغين: فبينما يكون البالغ أكثر علمًا ومهارة في تجنب مهام التحدث، يكون الأطفال أكثر عُرضة للتحدي، ويواجهون الموضوع بوقاحة، لأنهم ببساطة لا حل آخر لديهم، يبدو الأمر وكأنهم يُجبرون بالإكراه على الفِعل، وبالتالي تأتي ردة الفعل غير محترمة، نابعة من خوف مبرر بالنسبة لهم.

الغلاسوفوبيا عندما يعجز اللسان عن القيام بإحدى مهامه ويقف حاجزًا بينك وبين طموحك

الأعراض النفسية الملموسة

بالنسبة للأطفال الذين يتوجب عليهم إلقاء الخُطَب في المدرسة، وبالنسبة لقضايا خطابات اليافعين في بيئة العمل أو العروض التقديمية أيضًا، يمكنك تحديد الأشخاص المصابين برهاب اللسان عندما يأتي دورهم ويتصرفون كما يلي:

  • التهرّب وتجنب التحدث أمام الآخرين في الموضوع باستمرار، عن طريق تأجيل العرض، وربما محاولة تأخيره إلى حين نسيانه.
  • الرفض، يرفض الشخص المشاركة في الخطاب حتى لو كان الثمن فقدان الوظيفة، أو الرسوب في الفصل بالنسبة للطلاب.
  • في حال لم يتمكن من رفض العرض لأنه يخاف الرفض، فتراه يفرط في التحضير والتخطيط، ويصبح الخطاب عبارة عن عبء قد يسبب الاكتئاب والإجهاد للشخص، القلق والتوتر، وهو ما يُضعف الأداء بالتأكيد.

لذا بالنسبة للطلاب، فقط تراهم في الفصول يجلسون بدون مشاركة، ويختار الكبار المهن التي لا تتطلّب التحدث أمام الجمهور.

أما البالغون، فقد ترى الغلاسوفوبيا فيهم من خلال:

  • الهدوء والخجل المائل إلى الانطواء أثناء المحادثات العادية.
  • التواصل غير اللفظي السلبي، والذي يقتضي الاتصال الضعيف بالعينين والصوت الناعم الضعيف.
  • مشاكل في تكوين العلاقات الرومانسية وبالتالي تراه ينعزل في المنزل ويبقى لفترات طويلة.
  • في حالة الاضطرار إلى تقديم تجربة أداء أو عرض، تراهم يخففون من الرهاب بالأدوية والكحول.

الأعراض الجسدية الواضحة

عندما يضطر الغلاسوفوبي إلى تقديم عرض أو الصعود إلى المسرح، يتصرف جسمه بطريقة دفاعية هجومية وكأنه سيقاتل، أو يهرب ببساطة، لأن تلك طريقة استجابة الجسم الدفاعية بسبب زيادة الأدرينالين في تلك الحالات. عند الاضطرار لصعود المسرح، والتفاجؤ بهؤلاء الأشخاص من حوله، يزداد الخوف وتبدأ الاستجابة الجسدية بتشابك الذراعين وضمّ الساقين مبدئيًا كآلية دفاع طبيعية.

طبعًا بزيادة تواتر التوتر، قد يفقد المصاب القدرة على السمع، ليس فيسيولوجيًا ولكن بامتلاء العقل بالأفكار السلبية، لا يعود قادرًا على استقبال أي معلومة من أي مصدر، لأن الأفكار التي تدور في عقله هي كل ما يسمعه. طبعًا يخلق التوتر خفقانًا غير طبيعي في القلب، وارتفاع ضغط الدم، الرجفان والتعرق وخاصة في اليدين والجبين، اتساع حدقتي العينين، وضيق التنفس أو فرط التنفس. في بعض الحالات، قد يشعر المصاب بالدوخة والغثيان والقيء.

الغلاسوفوبيا عندما يعجز اللسان عن القيام بإحدى مهامه ويقف حاجزًا بينك وبين طموحك

الأعراض الواضحة في لفظ المريض

الإجهاد أثناء محاولة التحدث: ارتجاف الصوت والاهتزاز -بسبب الرجفان- وتكرار الكلمات غير المفيدة والتي تُعتبر إطالة مثل: آه، امم، أو غيرها متبوعة ببعض الإيقافات الصوتية المتشتتة. بالإضافة إلى التلعثم والتشنجات اللاإرادية، قد يشعر بألم في أجزاء الجسم البطنية (مغص) بسبب القلق والخوف.

أسباب الإصابة بالغلاسوفوبيا: وراثية أم مُكتسبة؟

يجب معرفة الأسباب والمحفزات للإصابة برهاب اللسان، والمزيد عن هذه الحالة كي نتعلم طرق الوقاية من الإصابة، والعلاج أيضًا. تتضمن الأسباب العديد من التجارب البيئية والسمات البيولوجية التي تتحد معًا لتكوين الرهاب:

  • الصفات الموروثة وتاريخ العائلة: تؤثر معاناة أحد أفراد الأسرة المقربين من الرهاب على الأجيال القادمة من نفس العائلة.
  • التجارب الحياتية السلبية في مجالات الوقوف أمام الجمهور: عندما يكون للشخص أكثر من تجربة فاشلة بالنسبة للتقديم، أو مثلًا صادف وكان محطّ ضحكٍ في مدرسته، وضحك عليه زملاؤه في الصف في أكثر من موقف.
  • تأثير الأهل: الوالدان اللذان يظهران قلقًا شديدًا عند التحدث، أو إفراطًا في الحماية لأبنائهم، هنا يتولد خوف وتوتر دائم من الناس والأهل، فأنت لا تريد تخييب ظنّ أهلك.
  • فسيولوجيا الدماغ: هنا ليس لدى المريض أي تحكم في الموضوع، فهناك جزءٌ من الدماغ يسمى اللوزة الدماغية يدير استجابة الفرد للخوف، وعند مرضى الغلاسوفوبيا، تكون اللوزة مفرطة النشاط، وهي ما تزيد من توتره وقلقه.

هناك محفّزات محددة أيضًا تحفّز الشخص ليطوّر أعراض الإصابة بالغلاسوفوبيا، فبينما المحفز العام هو فكرة التقديم أمام جمهور، تشمل تلك الإضافية ما يلي:

  • رهاب الحضور إلى اليوم الأول من المدرسة، بسبب ما يقدمه العامة من فكرة سيئة للطفل عن التزامات المدرسة.
  • الذهاب إلى الحفلات: الخوف من عدم الظهور بالشكل الملائم للحفلة أو أن نواجه موقف يُفسد مظهرنا في الحفل.
  • بدء عمل جديد.
  • الحضور في أماكن يُتوقع منهم التحدث فيها بصراحة ويُطلب رأيهم وتفاعلهم مع الآخرين.

عواقب المعاناة من الغلاسوفوبيا

الغلاسوفوبيا عندما يعجز اللسان عن القيام بإحدى مهامه ويقف حاجزًا بينك وبين طموحك

هناك بالفعل علامات تدلّ على أن الغلاسوفوبيا قد تملّكت مشاعر هذا الإنسان:

  • فترى لديه احترام متدني للذات، يقلل من نفسه على حساب أي شيء، وهذا يعني عدم الثقة بالنفس أيضًا، فلديه خوف واضح من كل شيء.
  • كما تراه متشائمًا دائمًا ومكتئبًا لأنه يشعر بالإهانة من نفسه.
  • يفتقر إلى المهارات الاجتماعية ولذا ترى العزلة الاجتماعية متملكة فيه، وعلاقاته بغيره بالمجمل ليست جيدة.
  • من أهم التأثيرات هو ضعف التحصيل في العمل أو في المدرسة، لأن العمل والدراسة يحتاجان إلى الاختلاط وإثبات الذات، فسيتأثر الشخص الغلاسوفوبي بالتأكيد. أحيانًا يصل الأمر إلى التعاطي والإدمان للشعور بالراحة، وقد يُفضي ذلك إلى المحاولات الانتحارية.

نظرًا لأن هذا الرهاب قوي التأثير على صاحبه، فيمكن أن يؤثر سلبًا على جوانب مختلفة من حياته، إذا أردت أن تكون ناجحًا في حياتك المهنية، فستحتاج إلى توصيل أفكارك بشكلٍ فعال، سواءً كنت في مقابلة عمل أو لديك اجتماع لفريقك أو لتدير عملك الخاص، تتطلب العديد من الأنشطة التحدث علنًا مع الأشخاص، لذا يفقد الغلاسوفوبي العديد من الفرص فقط لمجرد معاناته. طبعًا يلجأ هؤلاء دائمًا إلى الأعمال التي لا تحتاج إلى الاتصال اللفظي (وهي كثيرة اليوم لأن أغلب الاتصالات أصبحت عبر الإنترنت).

يمكن تصنيف رهاب الغلاسوفوبيا تحت قائمة اضطرابات القلق الاجتماعي، ومع أكثر من نسبة 75% من الأشخاص الذين أبلغوا عن إصابتهم بهذا الخوف، يُعتبر رهاب اللسان هو أكثر أنواع القلق شيوعًا بين عامة السكان. يمكن علاجه بالطبع، بل يجب علاجه لأنه إذا تُرك المريض بدون علاج، فقد يؤدي ذلك كما قلنا إلى الشعور بالوحدة وضعف الثقة بالنفس الذي يؤدي إلى ضعف احترام الذات، وهذا يُفضي إلى الاكتئاب والعزلة والحياة المهنية السيئة.

التخلص من الغلاسوفوبيا: هناك أنواع مختلفة من العلاج

يميل هذا النوع من الرهاب إلى الاستجابة إلى الخطط العلاجية الاحترافية، بمزيجٍ من العلاج النفسي والأدوية المقوّية يمكن لأي فرد معالجة الأعراض بسرعة.

العلاج النفسي

كونه حالة نفسية أكثر منها مرضيّة، فيُعد علاج الصحة العقلية للمصاب من أهم الاستراتيجيات الفعالة. يقدم العلاج النفسي مستشارون وأخصائيون اجتماعيون ونفسيون يحملون شهادة مرخصة بالطبع، يمكن أن يقدموا لك النصائح لتحسين حياتك، من خلال العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، الذي يمكن أن يساعد في تحديد السبب الجذري لمرضك.

مثلًا في حال تعمّق الأخصائي معك في الحديث واكتشف من ماضيك أنك قد تعرضت للتنمر بسبب صوتك، فيكون هذا السبب لكونك مصابًا برهاب اللسان، أو جزءًا من السبب، وهنا يبدأ المعالج في تعليمك وتلقينك كيفية إعادة تصحيح الأفكار السلبية. مثلًا حصل معك موقف ذات يوم أثناء تقديم عرض الأداء خاصتك، تلعثمت وضحك الجميع حتى الموت وأُحرجت أنت لأنك لم تستطع إسكاتهم، لا تستسلم وتحفره في ذاكرتك وتقول “لا يجب أن أرتكب الأخطاء ولا يمكن ذلك أنا لستُ مؤهلًا لتقديم العروض..” هذا لن يحفّزك أبدًا على التقدم، بل قُل “لولا الأخطاء لما تعلّمنا الكثير من الأشياء”، أنا بخير وعرضي سيكون جيدًا وموادي رائعة، وجمهوري ينتظر نجاحي”.

يدرّبك المعالج على تحديد مخاوفك أولًا ثم معالجتها، وذلك بمواجهتها، وهذا ما يُسمى بعلاج “التعرّض”، وهنا يطلب منك المعالج تخيّل الجمهور والتحدث مثلًا. أيضًا قد يقدم لك بعض تمارين الاسترخاء والتأمل.

العلاج بالأدوية

قد لا يستجيب المريض للعلاج النفسي، لذا يلجأ الطبيب إلى الأدوية المخففة. قد يصف لك علاجات تتناسب مع الأعراض الجسدية التي ذكرناها، مثل حاصرات بيتا لعلاج ارتفاع ضغط الدم وبعض اضطرابات القلب، وقد تكون مفيدة لمعالجة الرجفان والاهتزاز. نتذكر مثلًا أنه كان الاكتئاب من بين الأعراض، لذا قد يصف الطبيب مضادات الاكتئاب التي تضبط مزاج الشخص.

العلاج بالأعشاب والطب التجانسي

بالنسبة لأولئك الذين يعانون من أعراض أكثر اعتدالًا، أي لا يهلعون بنسبة 100%، فقد تساعد العلاجات العشبية في تهدئة القلق والتوتر اللذين يظهران قبل بدء العمل. الطب التجانسي أو المعالجة المثلية هي ذاتها الطب البديل، ويستند إلى قانون أبقراط في الطب، يشمل العلاج بالجيلسيميوم ونبتة البيش، بالإضافة إلى العلاجات العشبية المعتمدة على الليمون والخزامى وزهرة الآلام، كلها علاجات مهدئة للأعصاب قبل التحدث أمام الجمهور.

في النهاية، أنصحك أيضًا -إذا كنت غلاسوفوبيًا أو تعرف أحدًا كذلك- أن تطّلع على مقالي على المنصة “مهارات عليك تعلّمها لتقدّم عرضًا تقديميًّا ناجحًا يأسر الجمهور ويبهره“، بالاقتران مع العلاج أعلاه، بحيث يمكنك التدرّب وتلقي علاج مخفف والتغلب على المخاوف.

اقرأ أيضًا: فرانكشتاين والاستنساخ.. هل حقًا نستطيع استدعاء آينشتاين ونيوتن إلى الحياة مرة أخرى؟

ذو صلة:





المصدر الاصلية للمحتوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى