تكنولوجيا

هل الشخصية القيادية موهبة فطرية أم مهارة مكتسبة؟


ما الذي يجعل بعض الناس يتفوقون في الأدوار القيادية؟ تسعى نظريات القيادة إلى شرح سبب وكيفية وصول بعض الأشخاص إلى مستوى القيادة، حيث تركز هذه النظريات على خصائص القادة، في حال أن البعض يحاول تحديد السلوك الذي يمكن للشخص تبنّيه من أجل تحسين قدرته القيادية في المواقف المختلفة، وقد أشارت التحليلات المبكرة حول سيكولوجية القيادة إلى أن هذه المهارات هي قدرات يولد بها الناس بالفطرة، حيث اقترحت هذه النظريات أن بعض الناس كانوا ببساطة “قادة منذ الولادة”، أما النظريات الحديثة فقد أشارت إلى أن امتلاك سماتٍ معينة قد يساعد على جعل الناس قادة بطبيعتهم من خلال تنمية مهاراتهم، مع الإشارة إلى أن التجربة والمتغيرات الظرفية تلعب دورًا مهمًا أيضًا.

فهل القيادة الناجحة تصنع مديرًا ناجحًا أم العكس؟ إنه سؤال الدجاجة والبيضة الإشكالي نفسه، هذا ما يدفع الناس إلى التساؤل عن الفرق الحقيقي بين القائد والمدير، حيث إن القيادة والإدارة مصطلحان مختلفان لكنّهما رفيقان ويجب أن يسيرا جنبًا إلى جنب، فالمدير الفعّال في دوره يجب أن يتحلى بمهارات قيادية معينة، وكذلك القائد الناجح يجب أن يدرك كيف يدير موظفيه لبناء مؤسسة ناجحة.

نظريات القيادة

مع زيادة التركيز على علم نفس القيادة في المئة عام الماضية، تمّ إبراز عدد من نظريات القيادة المختلفة للإجابة على التساؤلات التالية: ما الذي يجعل القائد عظيمًا؟ هل هناك عوامل شخصية محددة مناسبة لأدوار القيادة، أم أن معطيات الموقف ترسم الشخصية التي يجب أن تتولّى المسؤولية؟ فعندما ننظر إلى القادة في الحياة العامة نتساءل بماذا يتفوقون عن غيرهم لتولّي هذه المناصب!

اهتم الناس بالقيادة على طول مراحل التاريخ البشرية وازداد الاهتمام بها في الجزء الأول من القرن العشرين، حيث ركزت نظريات القيادة الأولى على السمات المميزة بين الأتباع والقادة، بينما أشارت النظريات اللاحقة على عوامل أخرى مختلفة مثل مستويات المهارة والعوامل الظرفية، في حين نشأت العديد من نظريات القيادة التي يمكن تصنيف معظمها على أنها واحدة من ثمانية أنواع رئيسية سنذكرها لاحقًا، هذه النظريات هي مدارس فكرية مختلفة أسسها الباحثون والفلاسفة والخبراء المعرفيون لشرح كيفية صناعة قائد.

تُلْقي هذه النظريات الضوء على السمات والسلوكيات التي يمكن أن تساعد الأفراد على تنمية قدراتهم القيادية، إليك بعض نظريات القيادة الرئيسية التي يحتاج كل مدير إلى معرفتها للبقاء في القمة:

نظرية الطوارئ

تقترح هذه النظرية أنه لا يمكن تطبيق طريقة أو أسلوب واحد للقيادة في جميع المواقف، بمعنى آخر: قد يكون هناك متغيرات وأخطار في موقف معين وبالتالي طريقة التعامل معه تختلف، في هذه الحالة يجب على القائد اختيار الاتّجاه الصحيح للعمل مع وجوب مراعاة هذه المتغيرات.

يقول الباحثان في مجال القيادة وايت وهودجسون في هذا الخصوص: “القيادة الفعاّلة تدور حول تحقيق التوازن الصحيح بين الاحتياجات والسلوك والأسلوب”، فالقادة الناجحون لا يمتلكون أفضل الصفات وأحسن السمات فحسب، بل يمتلكون أيضًا القدرة على التصرف الواعي السليم وتقييم احتياجات أتباعهم وتحليل الموقف الحالي وفقًا لذلك.

نظرية القيادة الظرفية

تؤكد النظرية الظرفية على أهمية المتغيرات الظرفية ولا تعتبر أسلوب قيادة أي شخص على أنه أفضل من أساليب الآخرين، حيث طرح الأستاذ الأمريكي “بول هيرسي” ومعلم القيادة “كين بلانشارد” أن النظرية الظرفية هي مزيج من عاملين: مستويات نضج الأتباع، وأسلوب القيادة، فوفقًا لهذه النظرية ستتطلب المواقف المختلفة أساليب عديدة في القيادة واتخاذ القرار، ويجب على القادة التصرف من خلال الحكم على الموقف الذي يواجهون.

نظرية القيادة التحويلية

تركز نظرية القيادة التحويلية المعروفة أيضًا باسم “نظريات العلاقة” على العلاقة بين القادة والأتباع، كما تتحدث هذه النظرية عن نوعية القائد الملهم و”الكاريزمي”، ما يشجع أتباعه على التقدم وبذل أفضل ما يمكن في أداء المهمة.

عادةً ما يتحرك القادة المتمثلون بهذه النظرية من خلال قدرتهم على إظهار أهمية المهمة لأتباعهم والمصلحة العليا التي ينطوي عليها أداء المهمة، فهؤلاء القادة لا يركزون على أداء الفريق فحسب، بل يمنحون أيضًا أفراد الفريق الدافع والتشجيع المطلوب للوصول إلى ذروة طاقتهم وإمكانياتهم من خلال نظريات القيادة هذه التي تساعد على صقل المهارة.

نظرية المعاملات

تدور نظريات المعاملات والمعروفة أيضًا باسم “نظرية الإدارة” أو “نظرية تبادل القيادة” حول دور التنظيم والإشراف والعمل الجماعي، حيث تُبنى هذه النظرية على نظام المكافآت والعقوبات، وغالبًا ما تستخدم النظريات الإدارية في الأعمال على الشكل التالي: عندما ينجح الموظف تتم مكافأته وعندما يفشل تتم معاقبته أو توبيخه.

النظرية السلوكية

في النظرية السلوكية ينتقل التركيز من سمات أو صفات القادة إلى سلوكياتهم وأفعالهم. في تناقض حاد مع نظرية الرجل العظيم ونهج نظرية السمات في القيادة، تعتبر هذه النظرية أن القيادة الفعالة هي نتيجة للعديد من المهارات المكتسبة من خلال تأكيدها على أن الفرد يمكن أن يتعلم كيف يصبح قائدًا جيدًا. واحدة من أفضل نظريات القيادة، حيث تستند النظرية السلوكية على الاعتقاد بأن القادة العظام يُصنعون لا يولدون، كما تركز على تصرفات القادة وليس على الصفات العقلية أو الحالات الداخلية، فوفقًا لهذه النظرية يمكن للناس أن يتعلموا كيف يصبحوا قادة من خلال التعليم والاهتمام.

نظرية الرجل العظيم

واحدة من أقدم نظريات القيادة وتستند إلى افتراض أن القيادة هي ظاهرة فطرية وأن القادة “يولدون لا يصنعون”، ووفقًا لهذه النظرية يتمتع الشخص القادر على القيادة بسمات القائد المتمثلة بالسحر والفكر والثقة ومهارات الاتصال والكاريزما والاستعداد الاجتماعي منذ الولادة، حيث تشير مثل هذه النظريات إلى أن الناس لا يستطيعون حقًا تعلم كيف يصبحون قادة أقوياء، فهو شيء فطري إما ولد معك أو لا، كما تصور هذه النظرية القادة العظماء على أنهم أسطوريون وبطوليون ومُقدَّر لهم الارتقاء إلى القيادة عند الحاجة، كما تم استخدام مصطلح “الرجل العظيم” فيما مضى لأنه كان يُنظر إلى القيادة في المقام الأول على أنها صفة ذكورية خاصة فيما يتعلق بالقيادة العسكرية.

نظرية السمات في القيادة

تَسير هذه النظرية على خطى نظرية الرجل العظيم في افتراض أن القادة يولدون بسمات تجعلهم ملائمين لدور القائد أكثر من غيرهم الذين يفتقرون إلى تلك الصفات الفطرية، حيث تحدد صفات معينة للقائد مثل الحنكة والذكاء والشعور بالمسؤولية والإبداع وأمور أخرى تتيح للفرد التفوق.

لكن هناك الكثير من الأشخاص الذين يمتلكون الصفات المرتبطة بالقيادة، ومع ذلك فإن العديد منهم لا يسعون أو يصلون إلى مناصب قيادية، هناك أيضًا أشخاص يفتقرون إلى بعض تلك الصفات ومع ذلك فهم يتفوقون، وهذا ما يشكّل صعوبة في اتّباع هذه النظرية في القيادة بسبب صعوبة التفسير إلى الآن.

الخلاصة

تستند نظريات القيادة على طرق مختلفة في التفكير، فالبعض يركز على السمات والصفات، والبعض الآخر يتطرّق إلى أهمية الجوانب الظرفية الطارئة التي تؤثر على سلوك القادة، وكالعديد من المفاهيم السلوكية الأخرى، فإن القيادة متعددة الأبعاد والجوانب وهناك العديد من العوامل التي تدخل في تكوين شخصية القائد، ونظرًا لأن الجانب الإنساني من العمل هو أحد العناصر الأكثر أهمية التي تحدد نجاح المؤسسة أو فشلها، فستظل القيادة دائمًا أكثر المهارات قيمة في عالم الأعمال.

 

ذو صلة:





المصدر الاصلية للمحتوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى