تكنولوجيا

فما الذي عرفناه عن هذه الأبحاث حتى الآن؟


إنها أيام نوبل، ولعل الكثير من اللغط يدور حول جوانب عديدة فيها، لكن ومع اتفاقنا أو عدمه مع ذلك، إلا أن أحداً منا لا يمكنه أن ينكر الشعور الذي يشيعه مشهد القاعة الفخمة العريقة، التي تزين جدرانها صور السابقين من الفائزين، وستتسع للمزيد منهم.

من هذه الجوائز الستة، جائزة نوبل في الفيزياء، وتكفي فخامة الاسم لنبقي أعيننا مسمرة مشدودة ننتظر أسماء الفائزين، وأبحاثهم، فهذه هي الفيزياء، التي تحكم قوانينها عالمنا، المرئي والمجهري، الواسع الحتمي: اتساع كوننا حرفيّاً والكمومي: الاحتمالي الذي لا يقين فيه.

تقاسم فائزو نوبل هذا العالم الجائزة في الفيزياء لدراستهم الظواهر المعقدة، فشوكورو مانابي وكلاوس هاسلمان، وضعا أسسنا المعرفية حول التغير المناخي للأرض، والكيفية التي أثرت بها البشرية عليه. أما جورجيو باريزي فنال نصف الجائزة الآخر عن مساهماته المحورية في نظرية الظواهر الفوضوية والعشوائية. أي تشترك المساهمات الفائزة في أنها تسلط الضوء على الأنظمة المعقدة وطرق دراستها.

ساهم كل من شوكورو مانابي وكلاوس هاسلمان في تحقيق أكبر فائدة للبشرية من خلال توفير أساس مادي متين لمعرفتنا بمناخ الأرض. لم نعد قادرين على القول إننا لم نكن نعرف فالنماذج المناخية لا لبس فيها. هل ترتفع درجة حرارة الأرض؟ نعم. هل السبب هو زيادة كميات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي؟ نعم. هل يمكن تفسير ذلك فقط بالعوامل الطبيعية؟ لا. هل الانبعاثات البشرية هي سبب ارتفاع درجة الحرارة؟ نعم.

الخلفية العلمية للمساهمات الفائزة بالجائزة هذا العام

تتألف كل الأنظمة المعقدة من أجزاء تتداخل وتتفاعل مع بعضها بعضاً. من هذه الأنظمة المعقدة الأنظمة المناخية، الأحياء الدقيقة، الدماغ البشري، شبكة الإنترنت، من الذرة ومكوناتها وتفاعلاتها، وحتى الكون كله. وتفاعل هذه الأنظمة مع بعضها بعضاً مما يضيف الكثير والكثير من المكونات للنظام، بحيث يصعب إجمالها.

درس الفيزيائيون هذه الأنظمة المعقدة طيلة قرنين من الزمان، ويصعب تمثيل هذه الأنظمة بطريقةٍ رياضياتية، إذ تتألف من عدد مهول من المكونات أو تحكمها الاحتمالات. كما قد تكون بعض هذه الأنظمة فوضوية، كالطقس، الذي قد تنجم عن انحرافات طفيفة في مدخلاته البدائية تغيرات كبيرة في المراحل اللاحقة. ما فعله الفائزون الثلاثة هذا العام هو تنمية قدراتنا المعرفية بهذه الأنظمة وكيفية تطورها على المدي الطويل.

ويعد مناخ الأرض واحداً من هذه الأنظمة المعقدة التي تعنينا مباشرة، وقد نال مانابي وهاسلمان نصف جائزة نوبل لعملهما الرائد في تطوير النماذج المناخية. أما باريزي فنال نصف الجائزة لتقديمه الحلول النظرية للعديد من المشاكل في نظرية الأنظمة المعقدة. وهنا نجد ترابطاً بين نصفي الجائزة.

ماذا قدم شوكورو مانابي

أظهر شوكورو مانابي Syukuro Manabe كيف تؤدي زيادة تراكيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى زيادة درجات الحرارة على سطح الأرض. وقاد في الستينات عملية تطوير النماذج الفيزيائية لمناخ الأرض وكان أول من يدرس التفاعل بين توازن الإشعاع والانتقال الشاقولي للكتل الهوائية. كان عمله الأساس لتطوير نماذج المناخ.

ماذا قدم كلاوس هسلمان

بعد حوالي عشر سنوات أنشأ كلاوس هسلمان نموذجًا يربط بين الطقس والمناخ، وبذلك أجاب على سؤال “لماذا يمكن الاعتماد على النماذج المناخية على الرغم من تغير الطقس وعشوائيته“. فالطقس هو الظروف السائدة في الغلاف الجوي على مدى فترة زمنية قصيرة، أما المناخ فهو الظروف السائدة في الغلاف الجوي علىمدى فترة زمنية طويلة. كما طور طرقًا لتحديد إشارات وآثار محددة تخلفها كل من الظواهر الطبيعية والأنشطة البشرية في المناخ. استُخدمت أساليبه لإثبات أن ارتفاع درجة الحرارة في الغلاف الجوي ناتج عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي يسببها البشر.

أما جورجيو باريزي

اكتشف جورجيو باريزي عام 1980 أنماطًا خفية في مواد معقدة فوضوية. تعتبر اكتشافاته من بين أهم المساهمات في نظرية الأنظمة المعقدة. فهي تجعل من الممكن فهم وتوصيف العديد من المواد والظواهر المعقدة والعشوائية ظاهريّا بالكامل، ليس فقط في الفيزياء ولكن أيضًا امتدت لتشمل مجالات أخرى متنوعة، مثل الرياضيات وعلم الأحياء وعلم الأعصاب وتعلم الآلة.

نوبل في الفيزياء

تأثير غازات الدفيئة: لولا الاحتباس الحراري لكانت درجة حرارة الأرض -18 درجة مئوية… ولكن

درس الفيزيائي الفرنسي جوزيف فورييه قبل مئتي عام توازن الطاقة بين إشعاع الشمس القادم نحو الأرض والإشعاع الصادر من الأرض. لقد فهم دور الغلاف الجوي في هذا التوازن. حيث تمتص الأرض والغلاف الجوي حوالي 70% من هذا الإشعاع وينعكس الباقي إلى الفضاء. إن الدور الوقائي للغلاف الجوي يسمى الآن الاحتباس الحراري، أو مفعول البيت الزجاجي. حيث تسمح الألواح الزجاجية للبيت الزجاجي بمرور أشعة الشمس الوارد إلى الأرض (أشعة الطيف الكهرطيسي التي نفذت من الغلاف الجوي ووصلت إلى الأرض، نشاهد منها الطيف المرئي للألوان السبعة)، لكنها تُبقي الحرارة في الداخل (يمر الضوء المرئي في الاتجاهين، لكن يبقى الجزء تحت الأحمر من الطيف المرئي بالداخل). ومع ذلك، فإن العمليات الإشعاعية في الغلاف الجوي أكثر تعقيدًا بكثير.

شهد القرنان اللذان تليا فورييه إضافات العديد من علماء المناخ. تمثل النماذج المناخية المعاصرة أدوات فعالة للغاية، ليس فقط لفهم المناخ ولكن أيضًا لفهم الاحتباس الحراري الذي يتحمل البشر مسؤوليته.

تستند هذه النماذج إلى قوانين الفيزياء وقد تم تطويرها من نماذج استُخدمت للتنبؤ بالطقس. يتم وصف الطقس بمقادير كمية تتعلق بالأرصاد الجوية كدرجة الحرارة أو معدل هطول الأمطار أو سرعة الرياح أو السحب، ويتأثر بما يحدث في المحيطات وعلى اليابسة. وتعتمد النماذج المناخية على الخصائص الإحصائية المحسوبة للطقس، مثل القيم المتوسطة، والانحرافات المعيارية، والقيم العليا والدنيا المقاسة وما إلى ذلك .فلا يمكن القول بأن ما سيحدث في تاريخ محدد هو الحقيقة، بل هو توقع ليس إلا مبني على الإحصاء الرياضي لأيام الطقس السابقة.

تركيز ضئيل ثاني كسيد الكربون.. فعل كبير

تأثير الدفيئة ضروري للحياة على الأرض. فغازات الدفيئة- ثاني أكسيد الكربون والميثان وبخار الماء والغازات الأخرى- تتحكم بدرجة الحرارة على الأرض، فهي أولاً تمتص الأشعة تحت الحمراء الصادرة من الأرض ثم تطلق هذه الطاقة الممتصة، مما يؤدي إلى تسخين الهواء المحيط والأرض تحته بالتالي.

تشكل غازات الدفيئة نسبة صغيرة جدًا من الغلاف الجوي الجاف للأرض، والذي يؤلف كلا من النيتروجين والأكسجين 99% منه. تبلغ نسبة ثاني أكسيد الكربون 0.04% فقط حجمًا. أكثر غازات الدفيئة فعالية هو بخار الماء، لكن لا يمكننا التحكم في تركيز بخار الماء في الغلاف الجوي، بينما يمكننا التحكم في تركيز ثاني أكسيد الكربون.

تعتمد كمية بخار الماء في الغلاف الجوي بشكل كبير على درجة الحرارة، مما يؤدي إلى آلية استجابة انفعالية. كلما ارتفعت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي ارتفعت درجة حرارته، مما يسمح باحتجاز المزيد من بخار الماء في الهواء، وتزيد من تأثير الاحتباس الحراري ما يسبب ارتفاع درجات الحرارة أكثر. أما إذا انخفض مستوى ثاني أكسيد الكربون، سيتكثف بعض بخار الماء وتنخفض درجة الحرارة.

تسخين ثاني أكسيد الكربون للغلاف الجوي

كان حلّ الجزء الأول من أحجية تأثير ثاني أكسيد الكربون على يد الباحث السويدي والحائز على جائزة نوبل سفانتي أرينيوس. وكان زميله عالم الأرصاد الجوية نيلز إيكهولم، هو أول من استخدم كلمة دفيئة في عام 1901 في وصف تخزين الغلاف الجوي وإعادة إشعاعه الحرارة.

أدرك أرينيوس فيزياء تأثير الاحتباس الحراري بحلول نهاية القرن التاسع عشر، فالإشعاع الصادر يتناسب طردا مع درجة حرارة الجسم المشع المطلقة T مقاسة بالكلفن، مرفوعة إلى أس أربعة T⁴. كلما كان مصدر الإشعاع أكثر سخونة، كان الطول الموجي للأشعة أقصر. تبلغ درجة حرارة سطح الشمس 6000 درجة مئوية وتقع أشعتها ضمن نطاق الطيف المرئي من الإشعاع  الكهرومغناطيسي بشكل أساسي. أما الأرض مع درجة حرارة سطح لا تتجاوز 15 درجة مئوية، تعيد إشعاع الأشعة تحت الحمراء غير المرئية لنا (طويلة الموجة). إذا لم يمتص الغلاف الجوي هذا الإشعاع، فلن تتجاوز درجة حرارة السطح -18 درجة مئوية.

كان أرينيوس يحاول معرفة سبب ظاهرة العصور الجليدية المكتشفة. وتوصل إلى استنتاج مفاده أنه إذا انخفض مستوى ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى النصف، فسيكون هذا كافيًا للأرض لدخولها عصر جليدي جديد. والعكس صحيح إذ أن مضاعفة كمية ثاني أكسيد الكربون من شأنها أن تزيد درجة الحرارة بمقدار 5-6 درجات مئوية، وهي مصادفة مذهلة بأنها نتيجة قريبة بشكل من التقديرات الحالية.

ملاحظة: تتدرج أشعة الطيف الكهرومغناطيسي من أمواج تتدرج أطوالها تنازليا من: الأمواج راديوية، موجات ميكروية، أشعة تحت الحمراء، الطيف المرئي (أحمر، برتقالي، أصفر، أخضر، أزرق، بنفسجي )، أشعة فوق البنفسجية، أشعة سينية، أشعة غاما.

نموذج رائد لتأثير ثاني أكسيد الكربون

غادر عالم فيزياء الغلاف الجوي الياباني شوكورو مانابي اليابان في خمسينات القرن الماضي بعد أن دمرتها الحرب، وواصل حياته المهنية في الولايات المتحدة. كان الهدف من بحث مانابي، هو فهم كيف يمكن أن تؤدي المستويات المتزايدة من ثاني أكسيد الكربون إلى ارتفاع درجات الحرارة. ومع ذلك، وبينما ركز أرينيوس قبل 70 عاماً على توازن الإشعاع، قاد مانابي في الستينات العمل على تطوير نماذج فيزيائية لدمج الانتقال الشاقولي للكتل الهوائية بسبب الحمل الحراري، فضلاً عن الحرارة الكامنة لبخار الماء.

لتطويع هذه الحسابات، اختصر النموذج إلى بُعد واحد- عمود رأسي، يصل ارتفاعه إلى 40 كيلومترًا في الغلاف الجوي. ومع ذلك، فقد استغرق الأمر مئات من ساعات الحوسبة لاختبار النموذج من خلال تغيير مستويات تراكيز الغازات في الغلاف الجوي. كان للأكسجين والنيتروجين تأثيرات ضئيلة على درجة حرارة السطح، بينما كان لثاني أكسيد الكربون تأثير واضح: عندما تضاعف مستوى ثاني أكسيد الكربون، زادت درجة الحرارة العالمية بأكثر من درجتين مئويتين.

وأكد النموذج أن هذا التسخين كان فعلاً بسبب زيادة ثاني أكسيد الكربون، فقد تنبأ بارتفاع درجات الحرارة بالقرب من الأرض بينما أصبحت في الغلاف الجوي العلوي أكثر برودة. ولو كانت تقلبات الإشعاع الشمسي هي السبب، كان ينبغي أن يتم تسخين الغلاف الجوي بالكامل في الوقت ذاته.

نوبل للفيزياء

كان هذا النموذج بسيطاً قبل ستين عاماً لأن الحواسيب والحوسبة كانت بسيطة، لكن مانابي أجاد استخدام الخصائص الأساسية. يدعو مانابي دائمًا إلى التبسيط. حيث لا يمكنك التنافس مع تعقيد الطبيعة- فلا يمكن الوقوف بالمجمل على فيزياء أبسط ظواهرها. أدت الأفكار المستمدة من النموذج أحادي البعد إلى نموذج مناخي ثلاثي الأبعاد، نشره مانابي في عام 1975؛ كان هذا منعطفاً على طريق فهم المناخ.

الطقس فوضوي

نجح كلاوس هسلمان بعد عشر سنوات من مانابي في الربط بين الطقس والمناخ من خلال إيجاد طريقة للتغلب على التغيرات المناخية السريعة والفوضوية التي كانت مربكة جدًا للحسابات. يشهد كوكبنا تغيرات واسعة في طقسه لأن الإشعاع الشمسي موزع بشكل غير متساوٍ جغرافيًا وزمنيا. فبسبب كروية الأرض ما يصل خطوط العرض العليا من أشعة الشمس يقلّ عمّا يصل خط الاستواء. كما أن محور دوران الأرض مائل، مما ينتج عنه اختلافات موسمية في الإشعاع الوارد. تؤدي الاختلافات في الكثافة بين الهواء الدافئ والبارد إلى عمليات نقل هائلة للحرارة بين خطوط العرض المختلفة، بين المحيطات والأرض، بين الكتل الهوائية الأعلى والأدنى، مما يحرك فعاليات الطقس على كوكبنا.

ونعلم جميعاً أن التنبؤ بالطقس لأكثر من عشرة أيامٍ قادمة يمثل تحديًا. قبل مائتي عام صرح العالم الفرنسي الشهير بيير سيمون دو لابلاس، أنه إذا عرفنا في اللحظة الراهنة موقع وسرعة جميع الجسيمات في الكون، سيكون من الممكن حساب ما حدث وما سيحدث في عالمنا. يجب أن يكون هذا صحيحًا من حيث المبدأ؛ فقوانين الحركة التي وضعها نيوتن منذ ثلاثة قرون، والتي تصف أيضًا انتقال الهواء في الغلاف الجوي، حتمية تمامًا -ولا تحكمها الاحتمالات.

هذا خاطئ عندما يتعلق الأمر بالطقس، يرجع هذا جزئياً إلى أنه من الناحية العملية يستحيل أن تكون دقيقًا بدرجة كافية- لتحديد درجة حرارة الهواء أو الضغط أو الرطوبة أو ظروف الرياح لكل نقطة في الغلاف الجوي. كما أن المعادلات غير خطية؛ أي يمكن للانحرافات الصغيرة في القيم الأولية أن تجعل نظام الطقس يأخذ منحى مختلفًا تمامًا. استنادًا إلى مسألة ما إذا كانت فراشة ترفرف بجناحيها في البرازيل يمكن أن تسبب إعصارًا في تكساس، فقد سميت هذه الظاهرة بتأثير الفراشة. من الناحية العملية، هذا يعني أنه من المستحيل إصدار تنبؤات جوية طويلة الأجل- فالطقس فوضوي؛ اكتشف ذلك عالم الأرصاد الجوية الأمريكي إدوارد لورنز في الستينات من القرن الماضي، وهو الذي وضع الأساس لنظرية الفوضى الحالية.

فهم البيانات العشوائية

كيف يمكننا إنتاج نماذج مناخية موثوقة لعدة عقود أو مئات السنين في المستقبل، على الرغم من كون الطقس مثالًا كلاسيكيًا على النظام الفوضوي؟

حوالي عام 1980، أظهر كلاوس هيسلمان كيف يمكن وصف ظواهر الطقس المتغيرة بشكل فوضوي بأنها ضوضاء متغيرة بسرعة، وبالتالي وضع التنبؤات المناخية طويلة الأجل على أساس علمي ثابت. كما طور طرقًا لتحديد تأثير الإنسان على درجة الحرارة العالمية المرصودة.

عمل هيسلمان على ديناميكيات الموائع أثناء وجوده في الجامعة كطالب دكتوراه، ثم بدأ في تطوير الملاحظات والنماذج النظرية لأمواج وتيارات المحيطات. انتقل إلى كاليفورنيا وتابع في علم المحيطات، حيث التقى بزملاء مثل تشارلز ديفيد كيلينغ الذي بدأ في عام 1958 ما يُعد الآن أطول سلسلة من قياسات نسب ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي في مرصد Mauna Loa في هاواي. لم يعرف هيسلمان أنه في عمله اللاحق سيستخدم منحني كيلنج بانتظام، والذي يُظهر التغيرات في مستويات ثاني أكسيد الكربون.

تتمثل إحدى الصعوبات الإضافية في أن التقلبات التي تؤثر على المناخ متغيرة للغاية بمرور الوقت- فقد تكون سريعة، مثل قوة الرياح أو درجة حرارة الهواء، أو بطيئة جدًا، مثل ذوبان الصفائح الجليدية واحترار المحيطات. على سبيل المثال، قد يستغرق التسخين المنتظم لدرجة واحدة فقط للمحيطات ألف عام، وبضعة أسابيع للغلاف الجوي. كانت الحيلة الحاسمة هي دمج التغيرات السريعة للطقس في الحسابات كضوضاء، وإظهار كيف تؤثر هذه الضوضاء على المناخ.

ابتكر هيسلمان نموذجًا مناخيًا عشوائيًا، مما يعني أن الاحتمالات مضمنة في النموذج. مستلهما ذلك من نظرية ألبرت أينشتاين للحركة البراونية، والتي تسمى أيضًا المشي العشوائي. باستخدام هذه النظرية، أوضح هاسلمان أن الغلاف الجوي سريع التغير يمكن أن يتسبب في الواقع في تغيرات بطيئة في المحيط.

بصمات مميزة لتأثير الانسان

بمجرد الانتهاء من نموذج التغيرات المناخية، طور هاسلمان طرقًا لتحديد تأثير الإنسان على النظام المناخي. وجد أن النماذج إلى جانب عمليات الرصد والاعتبارات النظرية، تحتوي على معلومات كافية حول خصائص الضوضاء والإشارات. على سبيل المثال، التغييرات في الإشعاع الشمسي أو الجسيمات البركانية أو مستويات غازات الدفيئة تترك إشارات فريدة وبصمات يمكن فصلها. يمكن أيضًا تطبيق هذه الطريقة لتحديد تأثير البشر على نظام المناخ. وهكذا مهد هاسلمان الطريق لمزيد من الدراسات حول تغير المناخ، والتي أظهرت تأثير الإنسان على المناخ باستخدام عدد كبير من الأرصاد المستقلة.

أصبحت النماذج المناخية متطورة بشكل متزايد حيث يتم رسم خرائط أكثر شمولاً للعمليات المتضمنة في التفاعلات المعقدة للمناخ، وبعضها من خلال قياسات الأقمار الصناعية ورصد الطقس. تظهر النماذج بوضوح تأثير الاحتباس الحراري المتسارع؛ فمنذ منتصف القرن التاسع عشر زادت مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بنسبة 40 في المائة. لم يكن الغلاف الجوي للأرض يحتوي على هذا القدر من ثاني أكسيد الكربون لمئات الآلاف من السنين. وبالنتيجة، تُظهر قياسات درجة الحرارة أن العالم قد ارتفعت درجة حرارته بمقدار درجة مئوية واحدة على مدار الـ 150 عامًا الماضية.

نوبل للفيزياء

طرق النظم المضطربة

عام 1980، قدم جورجيو باريزي اكتشافاته حول كيفية حُكم قواعد خفية للظواهر العشوائية. يعتبر عمله الآن من بين أهم المساهمات في نظرية الأنظمة المعقدة.

تعود جذور الدراسات الحديثة للأنظمة المعقدة إلى الميكانيكا الإحصائية التي طورها جيمس كلارك ماكسويل ولودفيج بولتزمان وجيه ويلارد جيبس ​​في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. تطورت الميكانيكا الإحصائية من وجوب وجود طريقة جديدة لوصف الأنظمة، مثل الغازات أو السوائل، التي تتكون من أعداد كبيرة من الجسيمات. كان على هذه الطريقة أن تأخذ الحركات العشوائية للجسيمات في الاعتبار، لذلك كانت الفكرة الأساسية هي حساب متوسط ​​تأثير الجسيمات بدلاً من دراسة كل جسيم على حدة. على سبيل المثال، درجة الحرارة في الغاز هي مقياس لمتوسط ​​قيمة طاقة جزيئات الغاز. تقدم الميكانيكا الإحصائية تفسيرًا مجهريًا للخصائص العيانية في الغازات والسوائل، مثل درجة الحرارة والضغط.

يمكن اعتبار الجزيئات الموجودة في الغاز على أنها كرات صغيرة، تقفز بسرعة تزيد مع ارتفاع درجات الحرارة. عندما تنخفض درجة الحرارة أو يزداد الضغط، تتكثف الكرات أولاً لتصبح سائلًا ثم تتحول إلى مادة صلبة. غالبًا ما تكون هذه المادة الصلبة عبارة عن بلورة، حيث يتم تنظيم الكرات في نمط منتظم. ومع ذلك، إذا حدث هذا التغيير بسرعة، فقد تشكل الكرات نمطًا غير منتظم لا يتغير حتى لو تابعنا تبريد السائل أو ضغطه في آن. إذا تكررت التجربة، ستتخذ الكرات نمطًا جديدًا، على الرغم من حدوث التغيير بالطريقة نفسها تمامًا. فلماذا تختلف النتائج؟

نوبل للفيزياء

فهم التعقيد

درس باريسي نوعاً خاصًا من السبائك المعدنية حيث يتم خلط ذرات الحديد بشكل عشوائي ضمن شبكة من ذرات النحاس. تعتبر هذه البنى البلورية نموذجًا بسيطًا يشبه الزجاج العادي والمواد الحبيبية، مثل الرمل أو الحصى. ومع ذلك، كان موضوع عمل باريسي الأصلي نوعًا مختلفًا من الأنظمة- السبينات الدوارة (نقصد بها هنا السبينات الأزواج الموجودة على رؤوس التقاطع في الشبكة البلورية للمادة وقد استعار هذا التشبيه بالزجاجية في دلالة على فوضوية الجملة كما الزجاج، بينما تميل المغانط إلى اتخاذ أحد اتجاهين شمالي أو جنوبي).

على الرغم من وجود عدد قليل من ذرات الحديد، إلا أنها تغير الخصائص المغناطيسية للمادة بطريقة جذرية ومحيرة للغاية. حيث تسلك كل ذرة حديد سلوك مغناطيس صغير، أو تدور، متأثرةً بذرات الحديد الأخرى القريبة منها. في المغناطيس العادي، جميع المغانط تدور في نفس الاتجاه، لكنها تضطرب في البلورات الدوارة؛ بعض الكرات تميل إلى أحد الاتجاهات وأخرى في الاتجاه المعاكس- فكيف تجد الاتجاه الأمثل؟ كيف توفق بين ضدين؟

يوفر نموذج السبينات الزجاجية وخصائصها الغريبة نموذجًا للأنظمة المعقدة. بحث العديد من الفيزيائيين في السبعينات، عن طريقة لتوصيف أنظمة السبينات الزجاجية. كانت إحدى الطرق التي استخدموها هي حيلة النسخ المتماثلة، وهي تقنية رياضية تتم فيها معالجة العديد من النسخ المتماثلة للنظام في نفس الوقت. ومع ذلك، كانت نتائج الحسابات الأصلية غير مجدية. فيزيائيا.

في عام 1979، حقق باريزي تقدمًا حاسمًا عندما وضح كيف يمكن استخدام طريقة النسخ المتماثلة ببراعة لحل مشكلة السبينات. اكتشف بنية مخفية في النسخ المتماثلة، ووجد طريقة لوصفها رياضيًا. استغرق الأمر سنوات عديدة حتى يتم إثبات صحة حل باريزي رياضيًا. استُخدمت طريقته منذ ذلك الحين في العديد من الأنظمة المضطربة وأصبحت حجر الزاوية في نظرية الأنظمة المعقدة.

ثمار الإحباط الهندسي كثيرة ومتنوعة

تعتبر كل من السبينات والمواد الحبيبية أمثلة على الأنظمة المحبطة، حيث يجب على المكونات المختلفة ترتيب نفسها بطريقة تكون بمثابة حل وسط بين القوى المتضادة. السؤال هو كيف ينبغي أن يكون سلوكها وما هي النتائج المترتبة عليه. باريزي هو خبير في الإجابة على هذه الأسئلة للعديد من المواد والظواهر المختلفة. كانت اكتشافاته الأساسية حول بنية السبينات عميقة جدًا لدرجة أنها لم تؤثر على الفيزياء فقط، بل أثرت أيضًا على الرياضيات وعلم الأحياء وعلم الأعصاب وتعلم الآلة، لأن كل هذه المجالات تتضمن مشكلات مرتبطة بشكل مباشر بالإحباط.

والإحباط الهندسي هو مصطلح في فيزياء المواد المتكثفة يمثل الفوضى في القوى الموجودة في بلورة هندسية لمادة.

نوبل للفيزياء

حين يشير أحد السبينات نحو الأعلى والآخر للأسفل، لا يمكن للثالث أن يتفق مع كليهما في الوقت ذاته، لأن السبينات المجاورة تريد التوجه إلى جهات مختلفة. فكيف ستجد السبينات اتجاهاً مثاليا؟ الإجابة وجدها باريزي

درس باريزي أيضًا العديد من الظواهر الأخرى التي تلعب فيها العمليات العشوائية دورًا حاسمًا في كيفية إنشاء الهياكل وكيفية تطورها، وتعامل مع أسئلة مثل: لماذا تتكرر العصور الجليدية بشكل دوري؟ هل يوجد وصف رياضي أكثر عمومية للفوضى والأنظمة المضطربة؟ أو – كيف تنشأ الأنماط الرتيبة من همهمات عشوائية؟ قد يبدو هذا السؤال بعيدًا عن البلورات الدوارة. ومع ذلك، قال باريزي إن معظم أبحاثه قد تناولت كيف تؤدي السلوكيات البسيطة إلى سلوكيات جماعية معقدة، وهذا ينطبق على كل من التذبذبت العشوائية والبلورات الدوارة.

مما سبق، نجد شمولية ما قدمته الفيزياء من خدمات، ليس على صعيد ما أكسب أصحابها نوبل فقط، بل في العديد من الميادين التي امتدت لتشمل مجالات العلوم الأخرى





المصدر الاصلية للمحتوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى