اخبار

ابن لادن وبوش أغرقا العالم في دوامة من الموت



نشر موقع “ميدل إيست آي” البريطاني مقالا للكاتب بيتر أوبورن، اعتبر فيه أن كلا من أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة الذي قتل عام 2011، والرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش، الذي كان يقود فريقا من “المحافظين الجدد”؛ تسببا بإغراق العالم في دوامة من الموت.

 

وفي مقاله، الذي ترجمته “عربي21″، أرجع الكاتب هزيمة الولايات المتحدة في أفغانستان إلى سقوطها في فخ “الرد الماحق” على هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001.

 

وزعم أوبورن أن ذلك بالضبط ما أراده ابن لادن من تلك الهجمات، أي جر الولايات المتحدة إلى حروب في عمق دول عربية وإسلامية.

 

لكن ذلك لم يكن بعيدا كذلك عن رغبات بوش والمحافظين الجدد، إذ كان من الممكن أن يكتفوا بملاحقة ابن لادن ورفاقه والقضاء عليهم دون إغراق العالم في حروب لا نهاية لها.

 

واعتبر الكاتب أن المحافظون الجدد والقاعدة “يعكسان بعضهما البعض”، إذ إن كلا منهما كان يمثل حركة ترفض “الحداثة الفاسدة”، وتستمد الإلهام من “السلف”، وتمقت الأصول الإجرائية السلمية وسيادة القانون، وتفضل العنف على الدبلوماسية، بحسبه.
 
ويقول: “بالنسبة للمحافظين الجدد، كما هو الحال بالنسبة للقاعدة، لم يكن ثمة طريق وسط، بل كان العالم منقسما إلى قوتين متعارضتين: الإسلام والغرب – وأحدهما فقط هو الذي سيخرج من الصراع منتصرا. كلاهما كان يرى في نفسه الخير المحض الذي يحارب الشر المحض، وكلاهما كانا يحتقران المسلمين المعتدلين بقدر ما كانا يحتقران الليبراليين الغربيين”.

 

 

وتاليا نص المقال كاملا كما ترجمته “عربي21”:

 

 

 
 
يعيش جورج دبليو بوش اليوم حياة مريحة في ولاية تكساس التي اختارها موطناً، حيث أعاد تأهيل نفسه ليغدو رساماً.
 
أما أسامة بن لادن فقد أردته القوات الخاصة الأمريكية بالرصاص ويقال إنه دفن بعد ذلك في البحر.
 
إلا أن الرجلين سوف يتم تذكرهما لنفس السبب: الهجوم الذي شنه أسامة بن لادن على الولايات المتحدة يوم الحادي عشر من سبتمبر / أيلول من عام 2001 ورد بوش الماحق عليه. مازالت الذاكرة حية بتفاصيل تلك الأحداث المريعة، رغم أن بعض الحقائق مازالت موضع خلاف وجدل.
 
يمكننا من خلال العودة عشرين عاماً إلى الوراء أن نحكم أي الرجلين اقترب أكثر من تحقيق غاياته.
 
لم يكن ذلك الرجل هو جورج دبليو بوش، بل من حق بوش أن يزعم بأنه، وبفارق كبير، الرئيس الأشد كارثية في تاريخ الولايات المتحدة، بالنظر إلى عودة الطالبان لاستلام مقاليد الأمور في أفغانستان والدمار الذي حل بمشروع المحافظين الجدد، والانسحاب المتسرع للولايات المتحدة من طموحاتها العالمية.
 
شخصية بائسة أخلاقياً
 
ابن لادن شخصية بائسة أخلاقياً، فهو داعية موت وكراهية، إلا أنه تفوق ذكاءً على بوش، زعيم العالم الغربي والمؤتمن على قيمه، والمستفيد من حيويته الفكرية والعلمية.
 
قبل الحادي عشر من سبتمبر لربما كان ابن لادن يقود على الأكثر بضعة آلاف من الأتباع، يشكلون ميليشيا ينتعل عناصرها الصنادل وأقصى ما يتسلحون به هو المدافع الرشاشة وقذائف الآر بي جي. إلا أن من المفارقات أن يكون ذلك هو سبب تفوقهم على أقوى جيش عرفه العالم والأفضل تجهيزاً على الإطلاق.
 
لقد دفع ابن لادن الولايات المتحدة نحو إلزام نفسها بشن حرب مفتوحة غير متماثلة ضده وضد أي جماعة إرهابية تراها أمريكا متحالفة معه. قصد ابن لادن جر الولايات المتحدة نحو غزو البلدان المسلمة حتى يتسنى له من خلال الجهاد استنزافها عسكرياً في حرب عصابات طويلة الأمد، فتلك هي السبيل الوحيد التي يمكن من خلالها، كما حصل من قبل مع الاتحاد السوفياتي، إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة.
 
أجبر ذلك الولايات المتحدة على تكريس موارد هائلة في سبيل تحقيق أهداف محدودة لا ديمومة لها، والأهم من ذلك أنه فرض تدفقاً مستمراً للمصابين الأمريكيين في بلد بعيد لم يسمع به معظم الأمريكيين من قبل، بلا أفق يتيح لأحبتهم بالعودة سالمين إلى ديارهم.
 
لقد هُزمت تلك القوات المسلحة، ليس مرة واحدة وإنما مرتان، أولاً في العراق ثم في أفغانستان. لم تخسر أي معركة تقليدياً ولكنها أخفقت تماماً في تحقيق أهدافها.
 
لم يبدأ المؤرخون والمحللون بعد في استيعاب معنى وتبعات الحادي عشر من سبتمبر وما تلاه من تطورات، وما يزال المفكرون العسكريون في الولايات المتحدة، ونظراؤهم في بريطانيا، يعيشون حالة من الإنكار المفتوح.
 
مقارنة سطحية
 
إن النقطة المهمة الأولى التي ينبغي استيعابها هي أن ابن لادن نفسه لم يهزمهم. فبعد تدمير البرجين كان زعيم القاعدة إما متخفياً أو هارباً. انقطعت خطوط الاتصال معه، ثم في أواخر عام 2001 لم يعد لدى منظمته من المقاتلين الذي يمكنها الاعتماد عليهم سوى بضع عشرات.
 
كان العالم حينذاك يقف في صف الولايات المتحدة بما في ذلك إضاءة الشموع في طهران تضامناً معها.
 
إلا أن جورج بوش رفض تلك العروض، وكان ذلك خطأ ناجماً عن سوء فهم لمغزى الحادي عشر من سبتمبر، حيث فسره بوش باعتباره هجوماً حربياً مكافئاً للعدوان الياباني على بيرل هاربر في السابع من ديسمبر / كانون الأول من عام 1941.
 
كانت تلك مقارنة سطحية، فعلى الرغم من أن بيرل هاربر والحادي عشر من سبتمبر كانا كلاهما حدثين لم تتوقعهما وكالات الاستخبارات وجاءا من الأجواء، إلا أن هجوم بير هاربر كان عملاً من أعمال الحرب التقليدية، شنته اليابان، الدولة المنظمة، وبذلك تطلب رداً عسكرياً تقليدياً.
 
ورغم ما فيه من فظائع، كان الهجوم على البرجين عملاً إرهابياً، يعبر عنه في الاصطلاح المعاصر بأنه صادر عن “جهة غير حكومية”. كان بإمكان الرئيس الأمريكي، بل وتوجب عليه، أن يتعقب ابن لادن وشركاءه المجرمين مستخدماً في ذلك أساليب مكافحة الإرهاب – مثل تلك التي أفضت في نهاية المطاف إلى تصفيته.
 
ولكنه اختار ألا يفعل ذلك، وشن بديلاً عنه حربه على الإرهاب، وهو مفهوم مجرد غير معرف وبلا نهايات محددة، ما لبث أن تحول إلى أداة في يد القاعدة يحقق لها مبتغاها. ساهمت الحرب على الإرهاب مباشرة في منح زخم في السياسة المحلية لرئاسة كانت حتى ذلك الوقت غير متميزة وغير منجزة. ارتفعت بشكل صاروخي شعبية بوش، وراحت إدارته بتسارع يبعث على الريبة تقترح مجموعة كبيرة من التشريعات الأمنية الصارمة تمكنت من تمريرها دونما معارضة تذكر. إلا أنها كانت في المحصلة كارثة سواء في جانب السياسة الخارجية أو من الجانب العسكري.
 
لو يكن بوش وحيداً في خطأه ذاك، بل وافقه في تحليله في بريطانيا رئيس الوزراء طوني بلير (وكذلك فعلت وسائل الإعلام، بما في ذلك صحيفة الغارديان التي كان عنوانها الرئيسي على الصفحة الأولى في اليوم التالي مباشرة يقول “إعلان حرب”). إلا أن هذه التركيبة فتحت الباب على مصراعيه على سؤال مهم: من ذا الذي كانت تقاتله الولايات المتحدة؟
 
تذكروا أنه لم يحظ هجوم الحادي عشر من سبتمبر بتأييد أي حكومة وطنية، ولا حتى الطالبان في أفغانستان كانوا يؤيدون خطة ابن لادن للجهاد العالمي. لقد تلاعب ابن لادن برئيس الولايات المتحدة بحذاقة لاعب الجودو الماهر المتقن لفنه، حيث كانت غايته استخدام وزن خصمه لإلحاق الهزيمة به.
 
رأس الأفعى
 
دعوني هنا أقتبس من كلام الأستاذ الدكتور فواز جرجس، المؤرخ المتخصص في القاعدة: “لقد طور ابن لادن ودائرته الداخلية رؤية استراتيجية تتمحور حول إجبار الولايات المتحدة على خوض حرب بشروط ابن لادن وشن هجوم على العالم الإسلامي بأسره. فبكونهم طليعة نخبوية صغيرة لم يكن بوسعهم لا تحدي القوة الأمريكية ولا النجاة من المواجهة المباشرة معها. فكانت الطريقة الوحيدة لتسوية ميدان اللعب هي الحرب غير المتماثلة، الحرب التي تشعل صداماً أكبر بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي.”
 
تمكن ابن لادن إلى حد مذهل في جعل كل ذلك يحدث، وكان هدفه الأساسي باستمرار هو إخراج القوات الأمريكية من البلدان المسلمة، وبشكل خاص من موطنه هو – المملكة العربية السعودية، أرض الحرمين الشريفين في مكة والمدينة. (لم تتحقق تلك الغاية بعد، ولكن مع انكشاف أمريكا كحليف لا يمكن الاعتماد عليه بسبب نزوعها نحو الانسحاب المتسرع، باتت تلك النتيجة أقرب احتمالاً من أي وقت مضى.)
 
بينما كان بعض الجهاديين الآخرين يرغبون في قتال “العدو القريب” – أي الأنظمة الوكيلة للولايات المتحدة في مختلف أرجاء العالم الإسلامي – كانت فراسة ابن لادن الخاصة ترى فائدة استراتيجية في توجيه الضربات إلى “رأس الأفعى” مما سيحرض الولايات المتحدة على الرد العنيف وغير المرشد، الأمر الذي من شأنه أن يسمم علاقاتها مع الدول والمجتمعات المسلمة، ويجعل جميع خصومه المسلمين يبدون متعاونين مع العدو.
 
الهرج والمرج
 
كما علم ابن لادن أنه وأتباعه سوف ينتصرون في نضالهم فقط من خلال البقاء ثابتين وإجبار الولايات المتحدة على القبول بتحمل عدد أكبر من القتلى وحجم أكبر من الخسائر الأمر الذي لن يجد قبولاً لدى عموم الناس في أمريكا.
 
يشير مسار الأحداث إلى أن ابن لادن لربما كان يفهم الولايات المتحدة أكثر وبشكل أوضح من جورج بوش. فقد حمل الرئيس الأمريكي على فعل ما كان يريده منه بالضبط، فأدخل العالم الإسلامي في حالة من الهرج والمرج مازال غارقاً فيها، وأوجد الظروف الملائمة لنمو وازدهار القاعدة والمجموعات الإرهابية الأخرى.
 
كان المحافظون الجدد، الذين أداروا رد بوش على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، هم والقاعدة يعكسان بعضهما البعض، فكلاهما كانا حركتين إحيائيتين على خلاف مع ما كانا يعتبرانه حداثة فاسدة، وكلاهما كان يستمدان الإلهام من السلف – من الأقدمين، وكلاهما كانا يمقتان الأصول الإجرائية السلمية وسيادة القانون، وكلاهما كانا يفضلان العنف على الدبلوماسية.
 
بالنسبة للمحافظين الجدد، كما هو الحال بالنسبة للقاعدة، لم يكن ثمة طريق وسط، بل كان العالم منقسماً إلى قوتين متعارضتين: الإسلام والغرب – وأحدهما فقط هو الذي سيخرج من الصراع منتصراً. كلاهما كان يرى في نفسه الخير المحض الذي يحارب الشر المحض، وكلاهما كانا يحتقران المسلمين المعتدلين بقدر ما كانا يحتقران الليبراليين الغربيين.
 
وبذلك اشتركت القاعدة مع المحافظين الجدد في تفسير الإسلام على وجه باطل باعتباره دين العنف، وكلاهما كان يعتقد بشكل جنوني بوجود صدام حضارات حتمي، لا سبيل لحله، بين المسلمين والغرب.
 
وبينهما أغرقا العالم في دوامة من الموت. صحيح أن المسلمين كانت خسارتهم أفدح بكثير من حيث عدد الناس الذين أزهقت أرواحهم، ولكن سمعة الولايات المتحدة عبر العالم كقوة للخير نالها دمار شامل، بينما يواجه البلد الآن هزيمة عسكرية وأزمة معنوية شديدة قد لا يتعافى منها.
 
لو أن جورج دبليو بوش تصرف بعقلانية لما زاد أسامة بن لادن عن كونه إرهابياً آخر يزدريه الناس، ولكن بفضل بوش غدا ابن لادن إرهابياً غير تاريخ العالم، ونموذجاً يقتدي به الإرهابيون الآخرون في كل أرجاء الدنيا.

 





Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى