اخبار

المعتقلون الفلسطينيون وفترة ما قبل الاحتلال الاسرائيلي


نشأت قضية الاسرى والمعتقلين منذ بدايات قمع الشعب الفلسطيني ومصادرة حقوقه، وارتبطت كذلك بمقاومته للغزاة والمحتلين من أجل استعادة حقوقه المسلوبة ونيل حريته المنشودة. وهي ليست مرتبطة بالاحتلال الاسرائيلي فحسب؛ وإنما تاريخ نشأتها سبق “هزيمة1967” و”نكبة 1948″، فيما جذورها تعود إلى ما قبل وعد “بلفور” المشؤم 1917. لذا فإن الرواية الفلسطينية يجب أن تبدأ فصولها من بعيد ومنذ أن عرف الفلسطيني السجون ووقع فيها أسيرًا، وأن الاعتقالات وعبر مراحلها الزمنية المتسلسلة يجب أن تؤرخ في الموسوعة الفلسطينية بشكل متكامل لتبقى الحقيقة راسخة في الوعي الجمعي للأجيال المتعاقبة، على اعتبار أن قضية الأسرى معلمًا من معالم القضية الفلسطينية و جزءا أصيلا من التاريخ الفلسطيني المقاوم. هذا في حال تناولنا لتاريخ الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة عبر العصور الماضية، ومازال ذلك اليوم الذي توثق فيه كل تلك الاعتقالات والجرائم التي أقترفت بحق المعتقلين الفلسطينيين ينتظر القدوم.

أما ان كان الحديث مقتصراً على الصراع العربي – الإسرائيلي فالرواية يجب أن تبدأ من العام 1948، ومن الخطأ استسهال الأمر والحديث دوما عن الاعتقالات منذ استكمال الاحتلال الإسرائيلي لباقي الأراضي الفلسطينية في العام 1967.

ولطالما أن حديثنا اليوم في حضرة “وعد بلفور” المشؤوم والذكرى الخامسة بعد المائة للرسالة التي أرسلها اللورد “أرثر جيمس بلفور” في الثاني من تشرين ثاني/نوفمبر عام 1917، والتي وعد فيها اليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين. وحيث وعد من لا يملك لمن لا يستحق، فمن الأهمية بمكان تناول قضية الأسرى والمعتقلين منذ ذاك التاريخ، ويجب ألا نسقط الفترة الممتدة مابين الأعوام 1917-1948 من التاريخ، من حيث الأحداث والمسؤولية التاريخية لبريطانيا عن تلك الفترة وما تخللها من جرائم اقترفت بحق الفلسطينيين عامة و الأسرى والمعتقلين خاصة.

من الملاحظ ان الرواية الفلسطينية في سردها للتاريخ تنتقل مباشرة من العام 1917 الى العام 1948 دون التوقف أمام المحطات المفصلية خلال فترة الانتداب البريطاني، حيث يتم الحديث عن “وعد بلفور” وما ترتب عليه من احتلال فلسطين وقيام دولة الاحتلال على جزء كبير من الأراضي الفلسطينية، وما لحق بالشعب الفلسطيني وتحميل بريطانيا المسؤولية؛ والتي يجب أن تعتذر على ما قام به “بلفور” وما ترتب على ذلك طوال العقود الماضية؛ دون التطرق إلى ما اقترفته بريطانيا نفسها خلال تلك الفترة.

وهنا ليس مطلوب من بريطانيا الاعتذار فقط، او السعى الى معالجة ذاك الخطأ التاريخي ومسح آثاره ومعالجة ما ترتب على “وعد بلفور” من مآسي فحسب، وانما عليها أن تتحمل المسؤولية الكاملة عما اقترفته من انتهاكات وجرائم بحق الفلسطينيين خلال الفترة الممتدة من العام 1917-1948 بما فيها الاعتقالات.

لقد ورثت دولة الاحتلال الاسرائيلي عن الانتداب البريطاني الكثير من السجون والمعتقلات، كما ورثت أيضا العديد من القوانين المجحفة والقرارات الظالمة والاجراءات التعسفية والتي ما زالت قائمة ومعمول بها حتى يومنا هذا كالاعتقال الإداري مثلا، الذي جعلت منه سلطات الاحتلال الإسرائيلي وسيلة للعقاب الجماعي وقاعدة أساسية في تعاملها مع الفلسطينيين. فيما المتتبع للأحداث والمتمعن بالحقبة التاريخية (1917-1948) على وجه الخصوص يلحظ وبوضوح كم هي المأساة كبيرة والجرائم فظيعة التي اقترفت في عهد الانتداب البريطاني بحق الفلسطينيين عامة والأسرى والمعتقلين خاصة الذين تُقدر أعدادهم من قبل المؤرخين والباحثين بعشرات الآلاف، حيث كانت الاعتقالات وعمليات الاحتجاز الجماعي تشكل ظاهرة خطيرة.

لقد استعملت سلطات الانتداب البريطاني سياسة القبضة الحديدية والقمع الهمجي وأشد الأساليب عنفا وقسوة وقمعا في معاملة الفلسطينيين، وأن هذه السياسة كانت تتصاعد كلما انتفض الفلسطينيون، وقد انتفضوا كثيرا، بهدف قمعهم وردعهم ومحاولة تركيعهم وثنيهم عن المطالبة بحقوقهم المشروعة. فاتسعت حملات الاعتقالات التي طالت الرجال والشبان والنساء والأطفال، وأنشئت المزيد من السجون والمعتقلات وزج بها آلاف المعتقلين الذين تعرضوا لتعذيب وحشي كالضرب والجلد وفرك الخصيتين وحرق القدمين والشبح وكي الأجسام وخلع الأظافر وحرق الشوارب واللحى، وتسليط الكلاب الجائعة لنهش لحوم المحتجزين، وفرض التعري الكامل على الرجال أثناء الاقتحامات وأمام الآخرين وفي الساحات العامة أحيانًا، ومن ثم تشكلت المحاكم العسكرية وفرضت خلالها الغرامات المالية الباهظة، وصدر عنها قرارات وأحكام تعسفية، ومئات الأحكام بالإعدام، بالجملة ودون رحمة، بحق معتقلين بينهم كثير من الشيوخ والنساء والفتيان، وأن قسما خفض حكمه إلى المؤبد وأمضى سنوات قابعًا بين جدران السجن، وقسما كبيرا من هؤلاء (يُقدر عددهم بالمئات) نفذ فيه حكم الإعدام شنقًا، في ساحة السجن أو وسط ميدان البلدة، وأن اعدام الشهداء الثلاثة، فؤاد حجازي، عطا الزير ومحمد جمجوم عام1930، كان مثالا، لكنه ليس الأول ولم يكن الأخير.

إن هؤلاء وغيرهم، ممن مرّوا بتجربة الاعتقال وتعرضوا للتعذيب أو الاعدام بعد الاعتقال، لم ينالوا الاهتمام المطلوب من الدراسات؛ اما الحقبة الزمنية (1917-1948) بكل ما شهدته فهي بحاجة إلى كثير وكثير من الجهد الجماعي في مجال البحث والتوثيق من قبل الباحثين والمؤرخين وحتى من السياسيين والحقوقيين، الأمر الذي يتطلب تحركًا جادا لتوثيق تلك الفترة؛ وملاحقة بريطانيا ومحاسبتها على ما اقترفته من جرائم بحق الفلسطينيين في عهد الانتداب البريطاني، بجانب مطالبتنا لها بتحمل مسؤولياتها التاريخية عما نتج عن “وعد بلفور” وما لحق بالشعب الفلسطيني من مآسي بعد ” النكبة “. فالحق لا يسقط بالتقادم؛ ويبقى الحق الفلسطيني هدفًا لكل الأحرار في العالم.

 

*عبد الناصر عوني فروانة: أسير محرَّر، ومختص بشؤون الأسرى، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة . ولديه موقع شخصي اسمه: فلسطين خلف القضبان.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



المصدر الاصلية للمحتوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى