اخبار

لماذا الإنسان شرير” ليس” بطبعه؟


هل عليّا، الآن وهنا، الخجل من نفسي لأنّي إنسانٌ؟ يبدو أنّه نعم. ولا أعتقد أيضا أنّ جون جاك روسو قد بالغ حين أرجع كل مصادر الشرّ في الكون للإنسان. بل لقد بات هذا الانسان “مبهرا” في ممارسة “الشّر”. يبتدع أشكالا مختلفة في إيذاء كل ما هو غير “أناه”.

ما هو الشّر؟ هل هو متأصل فينا ذاك التأصل الجذري الكانطي أما أنه مجرد فعل تافه يصدر عن قاصر عن التفكير من منظور أرندتي؟ لماذا علينا أن نعيد طرح السؤال بعد ثورات الربيع العربي: هل لأنّ ما حدث من إحدى عشرة سنة يعتبر إطارا جديدا لنشوء أشكال جديدة من الشّرور أو أنه صار يمكن الخوض في مثل هذه المسائل دون أحجبة؟  ثم هل أن الانسان مجبول على الشر أم الشر نتاج لبيئة وظروف اجتماعية ما؟ أم أنّه كل هذه الأسباب مجتمعة؟

الآن وهنا: الفضاء العمومي التونسي

منذ أيّام، تداول الفيسبوكيّون مقطع فيديو لمجموعة من الأفراد داخل فضاء تجاريّ في تونس وهم يتدافعون ويتنافسون ويتصارعون من أجل التقاط ما تيسّر من المواد الغذائية التي تم التخفيض في أسعارها. أحدث “الفيديو” ضجّةً كبرى فقد فضح الخصاصة والفقر والعوز الذي بلغه هؤلاء المواطنين الى درجة أنهم أبدوا استعدادا لإيذاء بعضهم البعض من أجل قطعة “جبن”. وحتى نفهم ذلك بعمق لا بد أن نضع جانبا المقاربة الأخلاقية ونعود إلى فرويد والمقاربة النفسية في تحليل السلوك وهنا يستوقفنا مفهوم “غريزة الحياة” الذي تكلم عنه فرويد حيث أن الفرد كلما أصيب بخيبة كانت ردة فعله في اتجاه الغير أشدّ قسوةٍ. أما النظرية السلوكية فتبين دور البيئة في التأثير على سلوك الإنسان.

ولو طرحنا الموضوع من زاوية علم النفس الادراكي فالإنسان يتحرك وفق تمثلاته وفهمه للوجود. هؤلاء الناس إنّما تحركوا بدافع تأمين النفس وحمايتها من جوع يتهدد بها ومن أجل إنجاح هذه الحرب على الجوع تستباح كل الوسائل بالنسبة لإنسان يعيش في مجتمع في أوج أزماته الاجتماعية والسياسية والثقافية ويرى أنه بات عليه افتكاك ما يريد بالقوّة والمحاربة من أجل المحافظة على استمراريته.

هذه الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المجتمع التونسي فجرت سلوكيات منحرفة وإجراميّة تعكس قدرة كبيرة على التوحّش والشرّ ومن هذه السلوكيات نذكر على سبيل المثال ما حصل في السّنوات الأخيرة: زوج يقتل زوجته وهي نائمة ولا يكتفي بذلك بل يقوم بتمزيق جسدها. وأب يغتصب ابنته. وزوجة تقتل زوجها. وعشريني يغتصب عجوز. بالإضافة إلى الثلب والشّتم والقدح والمسّ من كرامة الأشخاص وحرّيتهم. 

الشرّ في الفضاء العام الافتراضي
 
يحاول البعض تفسير هذه الظواهر والجرائم بربطها بالربيع العربي وربطها أساسا بحالة الانفلات. ولكن في الواقع العامل المحرّك هو الثّورة الرّقمية وأساسا في الفيسبوك – في تونس للاستعمال الكبير الفيسبوك على حساب المنصّات الأخرى- كانت وراء اندلاع ثورات الربيع العربي كما أطلق على ذلك الدكتور والباحث في علوم الإعلام والاتصال جمال الزرن “الثورة في شريحة” أي شريحة الهاتف.

ولكن نفس هذا الفضاء الذي فجّر الثورة فجر العديد من الظواهر الاجتماعية التي لا تخرج عن العنف والوحشية والاعتداءات والتي تشوّه صورة الإنسان. لعلّ آخر أمل في استعادة الإنسان انسانيّته قضت عليه الاستخدامات الهجينة لمواقع التّواصل الاجتماعي.

لقد أخرج الفيسبوك التونسيون إلى الشوارع ليثوروا على النظام السائد ولكن لم يقدر على تغيير نمط التفكير الذي من شأنه فعلا أن يساهم في إصلاح المجتمع. فظلت الثورة مبتورة وتعمقت الأزمة وتناسلت لتقبض على الانسان هما وشجنا. ومررت شعورا بعدم الأمان وعدم الثقة في الآخر. 

وأسهم الفيسبوك في تأزيم الوضعية في تونس بانتشار الإشاعات والأخبار المزيفة والتلاعب بالعقول عن طريق تسريب بعض الأخبار الكاذبة. هذه البيئة من شأنها أن تضع الفرد تحت الضغط والعجز على تمثل واقعه الجديد والاعتراف به. خاصة أن الاعتراف به قد يورِّطك في أن تتقبّل أنك قد تستيقظ صباح الغد دون مكافأتك الشهرية وقوتك اليومي.

من هذا المنطلق لم تأت ممارسات الشرٍ مسقطة مع الربيع العربي وانما هي مخزنّة في العقل الباطني وكان عليها انتظار بيئة قادرة على تفجيرها وهو ما حصل فعلا وخاصة مع ارتفاع نسب استخدام مواقع التواصل الاجتماعي التي كلما حاول انسان الهروب من الواقع تذكره به بل وتحرضه على العنف وتذكره بمحيطه المأساوي والتراجيدي. 

أما تاريخيا وعلى امتداد فترات متباينة، شهدت تونس ثلاث من أكثر الجرائم خطورة كان من الممكن أن تكون منطلقات مهمّة لتحليل الشرّ داخل الفضاء الاجتماعي التونسي ولكن ما حصل وكما يحصل اليوم فقد “تمعشت” بعض وسائل الإعلام من هذه القضايا الكبرى في كسب نسب المشاهدة بالتعامل العاطفي الانفعالي مع القضايا الخطيرة والتي تحمل في أبعادها تخلّفا شديدا واختلالات نفسيّة كبيرة. الإشكال انه لم يتمّ التنبه إلى خطورة تلك الجرائم الناتجة عن أمراض نفسيّة تفسّر عجز الناس في العاطي بعقلانيّة َمع واقعهم المأزوم. بالإضافة إلى أنّ المواطن الذي لا تصغي السلطة لحاجياته فانّه يشعر بالإقصاء وكلما شعر بالإقصاء انحرف أكثر وكانت ردّة فعله أشدّ خطورة.

ومن بين الظواهر التي كنت قد ذكرتها، الظواهر الإجرامية التي كانت تقوم على تصفيات جماعيّة. يقوم بها شخص واحد ضد مجموعة من الأفراد. من بينهم: علي شورب وهو سفاح خطير كان يمارس العنف بشتى أشكاله وضحاياه لا تحصى ولا تعدّ. وسفاح نابل الذي كان يقتل الأطفال وفي بعض الروايات قيل انه لما حرم من طفولته صار ينتقم من كلّ الأطفال أو بعبارة أخرى صار يثأر لطفولته التي سلبته إياها زوجة أبيه. أما الظاهرة الثالثة فهو “الشلاط” والشلاط كلمة دارجة تونسية وتتمثل الجريمة في استعمال سلاح أبيض ويعتدي به على النساء اللواتي يلبسن لباسا يظهر أجسادهن. تم التعرّض لكل هذه القضايا المذكورة، تم التعرض لها فقط كجريمة تستلزم عقوبة دون أيّ بحث أو تفكي.

يسأل نيتشه: “أيعقل أن تكون الإنسانية بصدد الانحطاط أم تراها كانت منحطة دوما؟” وكان سؤال دستويفسكي منذ أكثر من قرن ماذا لو أنّ النزعة الإنسانية راحت إذا تنقرض وتفنى؟ 

إنّ هذا الإنسان الذي هو في أصله كتلةٌ من المشاعر والأحاسيس المرهفة، هو ذات الإنسان المدمّر للبشرية. أعتقد لو عاش بيننا هوبز أو دستويفسكي، لعدّلا في تعبيراتهم عن الإنسان ولما عاد الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان. بل قد يعلن هوبز نهاية الإنسان.

حين يقدر إنسانا على قتل طفل بكل البشاعة والفظاعة الممكنة فمعناه أن داخل الإنسان كتل شرّ لا يمكن حتى التنبؤ بخطَورتها فخيالات دوستويفسكي هو الجرائم كانت محدودة جدا مقارنة بقدرة البشر اليَوم على إنتاج الشّر وتصديره إلى الآخرين في أشكال مختلفة أحيانا قد تكون تحت عباءة الخير.

صار الإنسان يتفنّن في إيذاء الآخر من كبرى المعارك إلى أصغرها. كل ّ المعارك ترجمةٌ لمدى قدرة الإنسان على الشر من الفضاء العام إلى الفضاء الخاص جدا. وليس اعتباطا أن تتكوّن كلمة بٓشرٌ من حروف الشرّ.

…. الشّرُّ تفاهةٌ؟

“إنه مختلف تماما عما تخيلت يجلس في قفصه الزجاجي وكأنه الشبح بالإضافة الى أنه مصاب بالزكام انه ليس مخيفا على الإطلاق، انه مجرد نكرة يتحدث بتلك الرصانة والمصطلحات الإدارية الرهيبة ثم فجأة يقول عبارة مثل: أشعر وكأني قطعة لحم تريد طبخها.” كان ذلك تعليق حنة أرندت على أيخمان (النازي المتهم بترحيل اليهود وابادتهم) بعد حضورها محاكمته. وكانت تلك الشرارة الأولى التي دفعتها للتفكير في الشر. فقد شغلتها تصريحات أيخمان الذي لمّا سئل: “هل تعتقد بأن رجلا ما حلف يمينا، يحل من يمينه بعد موت هتلر؟” أجاب بكل تلقائية:” بعد موت هتلر كل شخص في حل من يمينه” بل أكثر ذلك قال أيخمان أنه كان مستعد لقتل أبيه لو أن هتلر طلب منه ذلك. ومن كل هذه المنطلقات استنتجت حنة أرندت الفرق بين الشر والطبيعة الاعتيادية فايخمان في نظرها لم يفعل أي شيء بمبادرة شخصية منه وقالت:” أغرب شرور العالم يرتكبها نكرات (…) العجز في التفكير جعل أيخمان لا يستطيع أن يستنتج أي أحكام أخلاقية..” إن ما فعله أيخمان العاجز عن التفكير كان مجرد استجابة لإرادة الآخر. ومن ثمة بدأت حنة أرندت التنظير لتفاهة الشر لتحملنا على التّفكير في أنّ الإنسان التّافه الذي لا يفكّر أكثر خطورةً على المجتمعات من الإنسان الذي يتجوّل بسلاحه وهو في أتمّ الاستعداد لرمي الآخر بالرّصاص في أية لحظة. وربما لَو عالجت كل المجتمعات ملفات الحوادث والجرائم والحروب بنفس الجدّية التي كانت حنة قد عالجت بها ملف ايخمان لربما اوجدت آليات جديدة لإدارة المجتمع. وبهذا تكون حنة أرندت قد كسرت ما ذهب اليه كانط في أن الشر متأصل جذريا في الانسان.

فلسفة الشر عند كانط  

يقسم كانط الانسان إلى ثلاث أبعاد متناقضة الحرية والخير والشر ويتحرك الانسان داخل هذا المثلث وفق ارادته. معتبرا أن الشر هو نقيض الخير. وقد وضع ثلاث مستويات لهذا الشر يحددها دوافعه أول هناك الشر الذي يصدر عن الشخصية الهشة أما المستوى الثاني من الشر وهو الأكثر ضررا من المستوى وهو الدنس والخبث لنصل الى المستوى الثالث الأكثر خطورة من المستوى الأولين وهو الفساد والخسة. والمستوى الأخير هو تنصل الانسان من أي التزام ومسؤولية داخل بيئته ولا يولي أي أهمية لا للعقد الاجتماعي بمفهوم روسو ولا للعقد الأخلاقي.

تنتهي بنا هذه المحاولة في طرح مسألة الشر بـالثاني والعشرون بعد الألفين وبعد أن تم معالجة الموضوع من أبرز المفكرين في العالم، الى ضرورة التوقف عند هذا الموضوع مع ظهور افات تفتك بالمجتمع. ونخلص بذلك الى مجموعة من الاستنتاجات منها أولا: ان الشر حرب يعتقد الانسان أنه يقيمها ضد الاخر لضمان بقاءه ورسم سعادته كما يتوهمها ولكنها في نهاية الأمر هي حرب الانسان ضد الانسان. ويبدو أنه كلما تقدم العالم واتسعت المجالات العمومية في العالم واتسعت رقعة الافتراضي وانتعش الرقمي كلما بدأنا نعود الى ما قبل الحداثة، الى الفوضى والبوهيمية واستعباد الجهل والأمية والتقاتل وسقوط العقد الاجتماعي في التوافق حتى لا يكون بقائه على حساب بقائك بل وضمان حسن بقائك.

ثانيا: إذا كان الشر مرتبطا بالعاجز عن التفكير حسب حنة أرندت فنحن اليوم نعيش أكثر الشرور خطورة وهو سلب الناس ارادتهم بتعلة الوصاية والإصلاح. لكن هل سينتصر الانسان المحارب للإرادة المدمرة كما تشبث ديدرو بنشر العلم من خلال إصراره على طباعة الموسوعة العلمية. وكما فعل مونتسكيو حين ألغى القوة المطلقة لكل الحكام وفصل بين السلط الثلاثة: التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ثالثا: ان الانسان شرير ليس بطبعه ولكن الواقع والوقائع تصنع منه تدريجيا هذا الشرير وتضخ كل شعور بالتهميش والاقصاء والتفقير والسلب في هذا الشعور الذي يتحول الى ردة فعل عنيفة تترجم بشتى الممارسات المدمرة والخطيرة.

لنعترف أننا الأن وهنا أمام اشكال جديدة للشر بل صار الشر يرتدي عباءة الخير والحب كما عبر عن ذلك جورج أورويل.

إنّ الإنسان شرّير ليس بطبعه وانّما بكلّ غرائزه وشهواته وعدم قدرته على السّيطرة عليها. شرّير “بأناه” المتضخّمة التي تدرس الأخضر واليابس حتى تستمرّ.

أنّنا مجددا أمام حرب البقاء كما يمليها القرن الواحد والعشرون.





المصدر الاصلية للمحتوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى