تكنولوجيا

فيلم “أصحاب ولا أعز”.. نسخة مُعرّبة تثير حفيظة “قيم المجتمع”


صدر فيلم “أصحاب ولا أعز” يوم الخميس 20 يناير/ كانون الثاني على شبكة نتفليكس وهو النسخة التاسعة عشر من الفيلم الإيطالي “غرباء كليًا” الصادر في عام 2006 والحاصل على العديد من الجوائز من مختلف المهرجانات السينمائية.

ويدور الفيلم حول سبعة أصدقاء يجتمعون على العشاء ويقررون ترك هواتفهم على الطاولة ومشاركة كل الرسائل، الإيميلات والاتصالات الهاتفية التي ستأتي لأي منهم خلال العشاء. الفيلم من إخراج وسام سميرة وبطولة عدد من النجوم العرب منهم “منى زكي“، “إياد نصار”، “عادل كرم“، “جورج خباز”، و”نادين لبكي“.

منذ اللحظة التي صدر بها الفيلم ولا يوجد حديث آخر على جميع مواقع التواصل الاجتماعي غيره، العديد من الآراء التي تتباين بين جودة الفيلم من عدمها، بين ما إذا كان الفيلم يعد “سرقة فنية” أم أنه “معالجة شرعية” للفيلم الأصلي. لكن النصيب الأكبر للجدال كان بين مؤيد ومعارض للأفكار التي تتم مناقشتها في الفيلم. 

وجه مضيء وآخر معتم 

يربط الفيلم من المشهد الأول قصته بخسوف القمر الذي سيحدث في نفس الليلة التي قرر فيها الأصدقاء السبعة اللقاء، ويظل خسوف القمر حدث هام يحرك الخط الدرامي لأحداث الفيلم. فنراه في البداية مكتملًا ومضيئًا، يلقي بضوئه عليهم بينما يتسامرون ويضحكون ويقضون ليلة هادئة، ثم عندما تبدأ المشاكل بينهم في الحدوث بسبب تلك الرسائل والاتصالات الهاتفية، نرى أيضًا خسوف القمر وهو يحدث تدريجيًا. حتى تأتي اللحظة التي يصبح فيها القمر معتمًا تمامًا كاشفًا عن وجهه الآخر الذي لا نراه كثيرًا، وتتفاقم المشاكل بين الأصدقاء وتظهر كل أسرارهم التي بذلوا جهودهم في محاولة إبقائها مخفية عن شركائهم وأصدقائهم. وتلقي تلك العتمة ظلالها على اللقاء وتحوله إلى كارثة تهدد كل أطرافه.

وهذا الربط بين الحدثين يكشف عن حقيقة وجود وجه آخر لكل شيء نعرفه، فكما القمر يبدو مضيئًا كل ليلة ويأتي “الخسوف” ليكشف عن وجهه الآخر أو وجهه “الحقيقي” كما جاء على لسان شريف “هو ده الوش الحقيقي للقمر”. فإن كل شخص له وجه آخر غير الذي يكشفه لأصدقائه وعائلته، وجهه الحقيقي الذي لا يسمح بظهوره سوى بينه وبين نفسه.

وجوه الأبطال الحقيقية هنا تظهر مع اللعبة التي يقررون البدء فيها، وهذا يأخذنا إلى بُعد آخر للفيلم وهو طرحه لسؤال مهم يتماس مع شكل الحياة الآن، ومنذ عام 2016، وهو “إلى أي مدى تحتفظ هواتفنا بأسرار قد تهدم كل شيء في حياتنا؟” وإلى أي مدى تشكل تلك الهواتف خطورة على علاقتنا بالواقع؟

فلقد أصبحت الهواتف هي البديل عن الحياة الواقعية، أصبح أي شخص يقضي عليها جزءًا كبيرًا من يومه ويحتفظ عليها بكل معلوماته وأسراره التي يريد إخفاءها، فبضغطة زر يمكنك معرفة تقريبًا كل شيء عن أي شخص، فقط تفحص هاتفه ورسائله، فكل أسرار الشخصيات السبعة ما كانت لتنكشف لولا وجودها على الهاتف، ما كانت الزوجة ستعلم بخيانة زوجها لها ولن يعلم الزوج بوجود رسائل جنسية بين زوجته وبين رجلٍ مجهول على الفيس بوك، وما كان الأصدقاء سيعلموا أن صديقهم السابع مثلي الجنس وهو الأمر الذي نجح في إخفائه عنهم طوال فترة صداقتهم حتى جاءت مكالمة هاتفية واحدة كشفت كل شيء.

بعدما تتكشف كل الحقائق، ينتهي الفيلم بتتابع من المشاهد يغادر فيها الأصدقاء العشاء وكأنه لم يحدث شيء، وكأن تلك اللعبة لم تحدث من الأساس وما زالت أسرارهم مخفية داخل هواتفهم، ولم يقدم الفيلم أي تفسير للنهاية وتركها ليفهمها كل مشاهد بطريقته. إنها نهاية بطريقة “ماذا لو؟” ماذا لو لم يقرروا البَدْء في تلك اللعبة؟ ماذا لو كان كل ما حدث في المسلسل هو فرض تصوري لما كان من الممكن أن يحدث إذا تفشت أسرارهم وظهرت وجوههم الأخرى؟

يأتي اسم الفيلم الأصلي معبّرًا عن حقيقة هذا اللقاء، فهم سبعة من الأصدقاء لكنّهم غرباء تمامًا عن بعضهم البعض، للدرجة التي ينتهي بها تتابع تلك الأحداث وهم ينظرون لبعضهم البعض وكأنهم يلتقون لأول مرة.

لكن مع الأسف لم يأت اسم النسخة العربية موفّقًا على الإطلاق، فاسم “أصحاب ولا أعز” لا يظهر قصة الفيلم ولا يحقق التماس بين الاسم والأحداث، وكان من الأفضل أن يحتفظوا بالاسم الذي اختاروه له في البداية وهو “ليلة بلا ضوّ” معبّرًا عن خسوف كلي للقمر وأيضًا لجميع شخصياته لا يسمح لأي ضوء بالعبور خلاله.

والتلامس الشديد لتلك القصة مع الواقع كان السبب في نجاح الفيلم الإيطالي بهذا الشكل، والذي جعله ينضم لقائمة “جينيس” كأكثر فيلم تم صناعة نسخ أخرى منه، أولها كان اليوناني ثم تبعها الإسباني، التركي، الفرنسي والعديد غيرها وصولًا إلى النسخة اللبنانية/ المصرية منه.

ولكن السؤال هنا، هل خرجت تلك النسخة بصورة جيدة؟ وإلى أي مدى تم الالتزام بالسيناريو الأصلي؟

“نسخة مُعرّبة” هو وصف أدق لـ فيلم “أصحاب ولا أعز”

فيلم “أصحاب ولا أعز” التزم التزامًا دقيقًا وحَرفيًّا بالسيناريو الأصلي للفيلم، فيمكن وصفه بأنه “نسخة معرّبة” أو كما أطلق عليه بعض المشاهدين “نسخة مدبلجة” للفيلم الأصلي. فلم تتم معالجة السيناريو بطريقة مختلفة أو تغيير أي من أحداث الفيلم مع الالتزام بالخط الرئيس للحبكة كما تفعل بعض الأفلام المقتبسة من أفلام أخرى أصلية. فقد جاءت هذه النسخة مطابقة تمامًا للأصل مع تغيير بعض التفاصيل الهامشية التي لا تؤثر على مجرى الأحداث لكنها تتناسب مع كون الفيلم عربيًا.

وتلك الحالة من “تعريب” الأعمال الأجنبية ليست جديدة أو غريبة، فلقد رأيناها أكثر من مرة سابقًا في مسلسل “هبة رجل الغراب” ومسلسل “الآنسة فرح” مثلًا، اللذين كانا أيضًا مقتبسين من أعمال أجنبية والتزما بالسيناريو الأصلي دون معالجة مختلفة.
ولكن هل تُعد تلك “سرقة” كما ظن بعض المشاهدين؟

فيلم "أصحاب ولا أعز"

الإجابة تكمن في وجود توضيح من صناع العمل أن الفيلم مقتبس من الفيلم الأصلي على التتر الختامي للعمل مع ذكر أسماء القائمين على العمل الأصلي، وهو تنويه ينهي الجدال الذي دار لبعض الوقت، ذلك بالإضافة إلى الالتزام الدقيق بالسيناريو الأصلي الذي تمت الإشارة إليه في الأعلى وهو ما ينفي تمامًا شبهة السرقة ويؤكد معرفة أصحاب العمل الأصلي من قبل أن يتم البَدْء في التصوير حتى.

ولكن في كل مرة جاء عمل جديد مُعرّبًا لم يكن استقباله في أحسن صوره، فعددٌ كبير من المشاهدين يعترض على كون العمل لم يقدم أي جديد ولم يقدم معالجة مختلفة تخلق لديه الحماس لمشاهدة العمل ومتابعته، فالأمر كان أشبه بمشاهدة العمل الأصلي ولكن بوجوه ولهجة عربية/ مصرية، حتى وإن كان العمل على مستوى جديد كما هي الحالة مع “أصحاب ولا أعز”، فالفيلم على المستوى الفني يُعد عملًا جيدًا لاقى العديد من الاستحسان لدى من شاهدوه دون رؤية العمل الأصلي.

ومن هذه النقطة وعلى صعيد آخر بدأ جدال آخر ممن لم يعجبهم الفيلم، وذلك لأنهم وجودوا فيه أفكارًا لا تتناسب من وجهة نظرهم مع أفكار المجتمع العربي عامةً والمصري خاصةً.

أزمة “قيم المجتمع” تشتعل من جديد.. وأزمة “نتفليكس” التي لا تنتهي

بدأ الجدال على شبكات التواصل الاجتماعي منذ صدور الفيلم ولم يهدأ حتى لحظة كتابة هذا المقال. بين مؤيد ومعارض، تتجدد أزمة “قيم المجتمع” التي تشتعل مع كل عمل جديد يناقش قضايا جدلية، وأزمة شرائح كثيرة من الشعب مع شبكة “نتفليكس” التي لا تنتهي.

كانت نقطة الجدال هي “هل ما يعرضه الفيلم مناسبٌ لقيم المجتمع المصري؟” وانتشرت الكثير من المنشورات على موقع “فيس بوك” تدين العمل بأنه يهدم القيم الأخلاقية للمجتمع المصري بعرضه لشخصية عربية مثلية الجنس وتعامل أصدقائه مع الأمر على أنه “شيء عادي”، بالإضافة إلى الشخصية الأخرى المراهقة التي تقيم علاقة غير شرعية مع صديقها، والأزواج الذين يقومون بخيانة بعضهم البعض، فقد رأى أصحاب هذا الرأي أنّ العمل يقوم ببث تلك الأفكار “الغربية” في عقول الشباب وحثهم على تبنّي آراء تتنافى مع طبيعة المجتمع المصري.

ولم يقف الجدال على بعض المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي بل وصل الأمر إلى بعض الجهات بطلب رفع الفيلم من على المنصة ومهاجمة الفنانة “منى زكي”، الفنانة المصرية الوحيدة في العمل، بسبب مشهد تقوم فيه الشخصية التي تلعبها بخلع ملابسها الداخلية حتى ولو أن المشهد لم يُظهر أي تفاصيل قد تتسبب في إثارة حفيظة أي شخص، بالإضافة إلى استخدامها ألفاظًا تخدش الحياء العام.

وبالرغم من كل ذاك، فإن الهجوم غير المبرر على الفيلم وعلى “منى زكي” ليس جديدًا على المجتمع المصري، فبمعدل كل شهرين تتجدد أزمة “قيم المجتمع” من جديد ويشجب أصحابها بضرورة خلو الفن من أي قصص قد تمس من قريب أو من بعيد بقيم ومبادئ المجتمع، متناسيين أهمية دور الفن في تناول القضايا ومعالجتها بشكلٍ جيّد وتسليط الضوء عليها، فالفن يمكنه تناول أي قضية مهما كانت حساسة طالما أنه يستطيع تناولها دون سطحية أو مباشرة فجة، ليس من أولوياته بث أي تعليمات أو أفكار في أي مجتمع.

أما بالنسبة للأزمة الأخرى وهي أزمة شبكة “نتفليكس” فهي قائمة منذ ذاع صيت الشبكة في مصر وزاد عدد مشتركيها، وبالرغم من استمرار الكثيرين ممن يشاهدون أعمال نتفليكس على مواقع أخرى، فإنهم غير راضين عن المحتوى الذي تقدمه سواء كان في أفلام أو مسلسلات ومع كل عمل جديد تتجدد الشكوى مرة أخرى، وهذه المرة لا تختلف بل تزيد الشكاوى خاصةً أنه من أول الأعمال العربية التي تنتجها الشركة.

وبسبب تلك البلبلة التي حدثت منذ صدور الفيلم، فإن فيلم “أصحاب ولا أعز” سجّل صباح يوم “الأحد” 23 يناير/ كانون الثاني، أي بعد يومين فقط من صدوره، أعلى نسبة مشاهدة لعمل عربي في منطقة الشرق الأوسط على شبكة نتفليكس العالمية، ما قد يشجع الشبكة على إنتاج أفلام عربية أكثر، وهو النتيجة الإيجابية الوحيدة من تلك الأزمة التي يمر بها الفيلم وصنّاعه والقائمين عليه.

اقرأ أيضًا: فيلم ريش: تجربة فنية أثارت الجدل لمجرد تصويرها الفقر بلهجة مصرية

ذو صلة:





المصدر الاصلية للمحتوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى