تكنولوجيا

كثيرون قتلوا أنفسهم بحثًا عنه.. هل كان ينبوع الشباب في دمائنا طوال الوقت؟


عام 1493، خرج المستكشف الإسباني “خوان بونثي دي ليون” في رحلة بحرية مع “كريستوفر كولومبوس” نحو الأمريكيتين، وكانت هذه الرحلة هي الثانية بالنسبة للأخير والأولى لـ “دي ليون”، حيث استقر دي ليون مع عائلته هناك وقدّم خدماتٍ كثيرة، ومقابلها حصل على مناصب ممتازة. عام 1506 اكتشف جزيرة بورنكوين “Borinquen”، وكانت تتمتع برواسب من الذهب. وفي 1508، أمره ملك إسبانيا آنذاك أن يذهب لاستعمار الجزيرة. بعد ذلك بعامين، عزله الملك، ما أثار استياء دي ليون، وقرر النهوض والذهاب إلى أرض جديدة مملوءة بالكنوز والخيرات، فاتجه شمالًا نحو فلورويدا التي اكتشفها، وبدأت رحلة البحث عن ينبوع الشباب.

ما حقيقة ينبوع الشباب هذا؟

اشتُهر دي ليون ببحثه عن ذلك الينبوع الذي بحث عنه من قبل الملوك والراغبين في الشباب الدّائم، لكنه لم يجده! والحقيقة أنّ رسائل وخطابات دي ليون لم تذكر فكرة ينبوع الشباب، وإنما ارتبط اسمه به بعد وفاته، ربما بسبب كثرة رحلاته واكتشافاته، ظنه الناس مثل من سبقوه الذين سافروا أقصى الأرض بحثًا عن ذلك الينبوع السحري، لكن على الأغلب، لم يذهب دي ليون من أجل الينبوع، وإنما هي محض أسطورة من خيال البشر، وسرعان ما وثقها الروائيون في كتاباتهم لإمتاع الناس. 

صورة خوان بونثي دي ليون

عام 1819، تنازلت إسبانيا للولايات المتحدة الأمريكية عن فلوريدا، وصارت ولاية أمريكية كما نعرفها اليوم. وأثناء القرن العشرين، وُضع تمثال دي ليون هناك، واستغل أحدهم هذا، وصمم مشروعًا يزعم بأنّ ينبوع الشباب هناك بالقرب من التمثال، ما جعل هذه المنطقة مقصدًا للسياح من مختلف بلاد العالم. حتى يومنا هذا، هناك من يصدقون هذه الأسطورة، وأنّ ينبوع الشباب في فلوريدا. (طبعًا هذا هراء) والحقيقة أنّ.. 

ينبوع الشباب في دمائنا 

تروي لنا العديد من القصص والأساطير عن أناس كانوا يتغذون على دماء الآخرين للحفاظ على مظهر الشباب لأطول فترةٍ ممكنة. وانتشرت هذه الفكرة على نطاق واسع، حتى قرّر العلماء إدخالها إلى المختبر واستخدموا إجراء “Parabiosis”، الذي يتضمن ربط حيوانين ببعضهما، بحيث يتشاركان الدورة الدموية! وفي عام 2005، فجّرت دراسة مذهلة ما يمكن أن تفعله دماء الشباب في أجسام المسنين. نُشرت الدراسة في مجلة “Nature” العالمية، وأجراها أستاذ المخ والأعصاب الأمريكي “توماس راندو” وشركاؤه. حسنًا، لننظر إليها في صورة مبسطة. 

هناك نوع من الخلايا الجذعية في أجسامنا يسمى الخلايا الساتلية “Satellite Cells”، مسؤولة بشكل ما عن المظهر الشاب، حيث تعمل على تجديد وإصلاح وحفظ الخلايا العضلية. ومع التقدم بالعمر، تقل قدرة الخلايا الساتلية على العمل، ما يفسر ضعف تجديد الخلايا العضلية، فتظهر علامات الشيخوخة. لكن مهلًا، لا بد من وجود شيء وراء الستار يحرك هذا، وهنا مربط الفرس. 

هناك ما يسمى بـ “مسار إشارات الشق” -Notch Signaling Pathway- وهو الجندي الخفي الذي يتحكم في نشاط الخلايا الساتلية، بمعنى أنه إذا كان نشيطًا، سيُعزز الخلايا الساتلية، فتعمل جيدًا، وبالتالي تعود لعملها في التجديد والإصلاح والصيانة الدورية للأنسجة، فتقوى العضلات، ويحتفظ المرء بشبابه، لكن مع التقدم بالعمر، يقل نشاط ذلك المسار، ما يؤثر على الخلايا الساتلية، فتزحف الشيخوخة. هل الأمر واضحًا الآن؟ حسنًا لنتعمق أكثر..

أتساءل ما إذا كان هناك شيء يتحكم في مسار إشارات الشق هذا؟ وهذا سؤال منطقي، فلا بد من حافز يجعله نشيطًا، وبالتالي تنشط الخلايا الساتلية، أو تثبط، فيقل نشاطها. ما هذا الحافز إذًا؟ إنهما مستقبل الشق “Notch Receptor” وجزيء مُكمل يسمى دلتا “Delta”، عندما يتحدان معًا، ينشط مسار إشارات الشق، فتنشط الخلايا الساتلية. 

بعيدًا عن الكلام الأكاديمي الصعب نسبيًا. تخيل أن لديك لعبة أطفال تعمل بالبطارية، إذا كانت البطارية موجودة ونشيطة، تستطيع تشغيلها فقط من خلال كبسة زر. هذا كل ما في الأمر. 

(علمًا بأنّ: اللعبة: تُمثل الخلايا الساتلة.. البطارية: تمثل مستقبل الشق وجزيء دلتا.. كبسة الزر: هي مسار إشارات الشق) 

عندما يكبر المرء في العمر، يضعف نشاط دلتا، ما يؤثر في النهاية على نشاط الخلايا الساتلية. ما يؤثر على أنسجة العضلات والخلايا عمومًا. ما الحل إذًا؟ 

هل تذكر عملية “Parabiosis” التي تحدثنا عنها منذ قليل؟ أجل، هنا الحل. وجد العلماء أنّ عليهم تعزيز إنتاج الجسم لمستقبل الشق والجزيء المكمل دلتا عبر تجديد الدورة الدموية للكائن العجوز من خلال دماء الشباب. وبالفعل أُجريت التجربة على فأرين، أحدهما شاب والآخر عجوز، وتم ربطهما ببعضهما، وكانت النتيجة مذهلة حقًا، لقد ساهم تبادل الدماء هذا في تجديد الخلايا المسنة لأعضاء الفأر العجوز، ما أسفر عن عودة صحته ونمو خلايا عصبية جديدة في بعض المناطق شيئًا فشيئًا! 

صورة توضح عملية “Parabiosis”بربط فأرين.

الأزمة تخلق الفرصة

أحدثت الدراسة التي أُجريت في عام 2005 صدىً واسعًا، وتهافت الجميع نحو ينبوع الشباب الموجود بالفعل في الدماء. حتى إنّ بعض الشركات قامت على هذه الفكرة وكانت تجمع البلازما دماء الشباب وتعالجها ومن ثمّ تبيعها لمن يرغبون في الشباب مثل شركة “Ambrosia” التي كانت تتقاضى 8 آلاف دولار مقابل لتر الدماء وإذا أردت الحصول على لتر آخر لصديقك، سيكون ثمن اللترين 12 ألف دولار. (يا بلاش! 😂)

وعندما لاحظت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية “FDA” هذا الإقبال على مثل هذه الشركات، أصدرت بيانًا بأنّ حقن دماء الشباب لا يجدي كما يظن أغلب المستهلكين، بل قد يُعرض المرء نفسه للخطر هكذا. 

وتوالت الأبحاث..

بحثت العديد من الدراسات إلى هذه الفكرة بعد الضجة التي أحدثتها دراسة عام 2005، وكل واحدة جديدة كانت تكشف المزيد من التطورات في أجسام الفئران. مثلًا، دراسة نُشرت عام 2014 في مجلة “Nature Medicine” بقيادة “سول فيليدا” وآخرون، أجروا نفس التقنية ولاحظوا مدى تأثر الدماغ والخلايا البصرية بتجديد الدورة الدموية للفأر، وكانت النتيجة ساحرة، حيث نشطت الخلايا العصبية القديمة ونمت أخرى حديثة وتأثرت منطقة الحصين بصورة إيجابية، ما يعني تعزيز قدرات الذاكرة ومهارات التعلّم، وتحسين الوظائف الإدراكية. 

عفوًا.. نحن لسنا فئران تجارب! 

فقط تخيل نفسك ترى اثنين من البشر ملتصقين معًا ويتبادلان الدماء، المشهد غريب، أليس كذلك؟ لكن الأمر لا يقف عند الغرابة. وراء الكواليس أشياء أخرى، فلا تنس الجهاز المناعي، الذي سيهاجم الطرف الآخر، وقد ينتهي الأمر بموت أحد الشخصين أو كليهما، فالجهاز المناعي أقوى مما تتخيل ومعقد لأبعد ما يكون، وأذكر عندما كنت في صفوف الدراسة، ذكر أحد الأساتذة أمامي أنّ الجهاز المناعي البشري معقد لدرجة أنه لم يتم اكتشافه بصورة واضحة بعد. فضلًا عن العدوى المحتملة وردود الفعل التحسسية وتأثر الأعضاء عمومًا.

لكن ما الحل؟

من كل ذلك نخلص إلى أنّ هناك سرًا في الدماء، لكن ربط شخصين لتبادل الدورة الدموية ليس منطقيًا، لذلك وجد العلماء أنّ عليهم التركيز على أمرين:

  • الأول: البحث في طرائق تعزيز دماء الشباب عند البشر وإعادة توليدها من جديد.
  • الثاني: دراسة بروتين CCL11 الذي يُنتج عند كبار السن من الفئران والبشر، فقد ثَبُتَ أنه يقلل ولادة خلايا الدماغ.

وأخيرًا.. ربما تبدو فكرة تجديد الدماء هي الحل الأمثل لمقاومة الشيخوخة، كما يعتقد العلماء، مع ذلك، هل سيُؤيد كل البشر هذه الفكرة؟ هناك من يعتزون بتجاعيد وجوههم، وآخرون يكرهون تلك التجاعيد. لكنها الطبيعة، هل يستطيع العلم التمرد عليها؟

اقرأ أيضًا: في رحلة البحث عن حجر الفلاسفة.. هل يستطيع البشر تحقيق حلم الخلود حقًا؟

ذو صلة:





المصدر الاصلية للمحتوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى