تكنولوجيا

نحو مجتمع سليم معافى… بين كونفشيوس ولاوتزو


يعاني الإنسان المعاصر من مشاكل سببتها التطورات التكنولوجية، وساهمت في تعزيزها حياة الاستهلاك، فاغترب الإنسان عن ذاته وبات يعيش سجينًا في قوقعة لا يستطيع الخروج منها، وأصبحت المحاولات التي يقوم فيها الكثير من العاملين في القطاعين الاجتماعي والفلسفي فقيرة وغير كافية، مع واقع يسارع فيه كل منا للحصول على الأكثر دون توقف مهما كانت الوسائل، وهذا جعل من غالبيتنا عنيفًا.

ضمن هذا الواقع، ومع محاولة إيجاد الحلول تبدو التساؤلات الآتية محقة: كيف يمكننا اليوم المساهمة في تفكيك خطاب العنف المتداول بين الناس؟ ما هي الطريقة للحد من الاغتراب الذي يعانيه الإنسان المعاصر عن ذاته أولًا وعن مجتمعه؟ كيف يمكننا إعادة الانسجام والتوافق إلى ذواتنا؟

لذلك يبدو من الهام والضروري العودة لدراسة الفلسفات التي ركزت على فهم الذات بهدف خلق الانسجام والتوازن، المبني على القيم الأخلاقية والمبادئ التي تحتاجها مجتمعاتنا اليوم، وقد تكون الفلسفات الصينية في قائمة ما نحتاجه حقًا.

العودة إلى الذات… هي الحل

تركز الفلسفات الصينية في مجملها على أهمية العودة إلى الذات، فعندما يفهم الإنسان ذاته حقًا يستطيع فهم عالمه ومحيطه، كل ذلك ينصب في المحاولة لخلق مجتمع منسجم ومتآلف، إذ يؤكد أتباع كونفوشيوس على أهمية تحقيق الذات والتي يجب أن تفهم ضمن المحيط الاجتماعي.

في المقابل تركز التاوية على ضرورة العودة إلى الطبيعة، على اعتبار أن المجتمع مؤذٍ ولا يمكن للإنسان فيه أن يحقق الانسجام، ولذلك يكمن الحل في التناغم مع الطبيعة وعلى نطاق الفرد الخاص كما يبين سولومون، مع الإشارة إلى أن التآلف الاجتماعي لن يتحقق إلا إذا استلم الحكماء زمام الحكم.

وعمومًا تتطلب العودة إلى الذات، القدرة على اتخاذ القرار في تغيير نمط العيش، بدءًا من تخفيف فضول التملك ورغبة الظهور، بهدف إعادة قراءة الذات بعيدًا عن القشور الخارجية التي تحولها لمجرد آلةٍ تنفذ للحصول على المزيد مهما كانت الوسائل المتبعة لذلك.

وبعد أن تتخلص الذات من رغبة التملك، عليها أن تتحرر من الثرثرة، فالتكلم دون جدوى يسبب الغرق في تفاصيل لا معنى لها، ويجعل  الإنسان ميالًا لبناء أفكاره بالانطلاق مما يقال، وعندما يستطيع الإنسان أن يحقق ما سبق يستطيع التأسيس لتأمل الذات وفهمها بعيدًا عن التأثيرات الخارجية، وهذا سيسهم في تأسيس شخصية إنسانية متوازنة.

تبدأ الحكمة عند عدم القيام بأي فعل

تركز الفلسفة التاوية ومؤسسها لاوتزو على أن الطريق للوصول إلى أصل الأشياء وتحقيق الحكمة لا يتم إلا من خلال التاو، والذي يتحقق عبر الانعزال وبناء حياة التأمل والتفكير بالدرجة الأولى، في محاولة للتفكير دون اندفاع وبعيدًا عن الانفعال، مما يحقق الانسجام مع الطبيعة، ويؤدي للعيش بسلام وهدوء وطمأنينة.

وقد يكون الرسم التوضيحي الذي ورد في The Phelosophy Book قادرًا على تفسير ما جاءت به التاوية:

إذًا تركز التاوية على كيفية الوصول إلى الحكمة، ويكون ذلك من خلال خلق صلة مع الطبيعة، الطبيعة التي تحوي الأضداد، ومع ذلك تحقق الانسجام في دورتها وانتقالها بين الحياة والموت بوصفهما بعدين أساسيين لتحقيق إيقاع الطبيعة، فالحكيم يستطيع تحقيق الحياة الأبدية، لأن التاو يظل على قيد الحياة، فما دورة الحياة إلا انتقال مستمر بين الأضداد، بين الين واليانغ، الجانب المظلم والجانب المضيء، وأي نقص في أحدهما يؤدي إلى إفراط في الآخر مما يتسبب بالنقص، ولذلك فتحقيق الانسجام بين الأضداد يمثل نموذج الحكمة الحقيقي.

الفضائل الأخلاقية… الطريق لتحقيق الإنسانية

تظهر فلسفة كونفوشيوس أهمية الفضائل الأخلاقية في قيادة المجتمع، وخاصة الحكام لأنهم المسؤولون عن جعل المجتمع يتآلف وينسجم، وهذا يعتمد على قيم وفضائل الأفراد، فكلما كانت فضائل الناس الأخلاقية حقيقية، ساهم ذلك في جعل المجتمع أسرة كبيرة ممتدة.

من ناحية أخرى تترجم الفضائل الأخلاقية وتتحقق من خلال الإنسانية التي يشار إليها في الصينية بمصطلح الـ رن، والتي تعني أن تصبح إنسانًا كاملًا، ويتحقق ذلك عبر مراحل الحياة، فيحقق الطفل إنسانيته بطاعته لوالديه، ويكون في مرحلة الشباب من خلال الاحترام، الذي يتحقق عندما يمتلك الفرد الشعور بالرأفة.

وقد يكون الرسم التوضيحي الذي ورد في The Phelosophy Book قادرًا على تفسير ما جاء به كونفوشيوس:

مراحل الكونفوشيوسية

كل ما سبق يتعزز بممارسة الإنسان للرياضة البدنية بوصفها فضيلة أيضًا، فالعقل والجسد صنوان لا يفترقان، منسجمان ويحققان هذا الانسجام من خلال الرياضة والموسيقا والرسم، فهذه الفنون تمتد لعمق مفهوم الإنسانية، والذي يبدأ كما سبق وأشرنا بحب الأسرة فإذا أحب الفرد أسرته سيكون قادرًا على محبة الإنسانية، وسيبتعد عن الشر والعنف.

مجتمع بلا ضغينة

ألسنا نحلم كلنا بذلك المجتمع، مجتمع نعيش فيه دون ضغينة وحقد، بعيدًا عن الخوف المتواصل من مستقبل مجهول، بعيدًا عن الخوف من الآخر، الخوف الذي أفرزته الحروب عبر تاريخ الإنسانية المتواصل، ولذلك كي نصل إلى ذلك المجتمع الذي يطمح إليه أي إنسان ربما علينا أن نستفيد من تجارب الفلسفات الكبرى وخاصة تلك التي تعيد إلينا جوانب الإنسانية التي فقدناها في طريق رغبتنا بالتفوق والتملك، وقد يكون هذا هو السبب الذي يدفعنا للاستفادة من الفلسفتين التاوية والكونفوشيوسية بما يأتي:

1- تفكيك الخوف الموجود والمنتشر عن طريق الدعوة للعودة إلى الذات، التي تساعد الإنسان على فهم داخله كي ينطلق إلى فهم العالم المحيط أيًا كان ويكون ذلك بتدريب النفس على العزلة الإيجابية التي تليها مرحلة يستطيع فيها الإنسان العودة للمجتمع وهو بكامل طاقاته.

2- التصالح مع الطبيعة بعد سنين من محاولة السيطرة عليها، فقوة الإنسان لا تكون بتدمير الطبيعة بهدف الاستفادة منها، وإنما الأفضل الانسجام معها والعودة إليها بوصفها الملاذ الذي ساعد الإنسان على تأمين احتياجاته دائمًا.

3- الاستفادة مما جاء في الموروث، فالتجديد والتخلي عن الموروث بالمطلق لن يكون في صالح الإنسان، فليس كل ما هو موروث سيئًا، بل نستطيع الاستفادة منه في الكثير من المفاهيم، كالعمل على إعادة مفهوم الأسرة، التي تعاني مجتمعاتنا اليوم من انهيار في بنيتها الأساسية، فكيف ينتمي الإنسان لأي شيء إن لم ينتمِ في الدرجة الأولى لأسرته الصغيرة.

4- تفكيك بنية التعليم الحالي التي تعتمد على حشو المعلومات غير النافعة على الصعيد العملي والأخلاقي، واستبداله ببنية تعليم جديدة تدرس الواقع بالدرجة الأولى، وتعلم أبناءنا ما يمكن توظيفه في حياتهم العملية، بحيث تكون مخرجات التعليم متناسبة مع الواقع، وليس كما يحدث اليوم إذ يتخرج آلاف الشباب دون فرص عمل حقيقية لهم.

5- إعادة الثقة إلى الذات الإنسانية في مقابل التكنولوجيا، فالإنسان هو من أنتج التكنولوجيا، ولذلك هو قادر على الإبداع، وقادر على تجاوز المشكلات فيما إذا امتلك المعرفة، ولذلك يجب العمل لتأسيس بنية فكرية ومعرفية للأجيال الناشئة، كي تصبح المعرفة أساسًا في حياتهم، وليست مجرد معلومات يتم استخدامها لفترات مؤقتة، تجعل منها مزيفة وغير أصيلة.

6 – أن نعيد للمعلم اعتباره بصفته المرشد، وليس بصفته السجان الذي يسيطر على المتعلمين.

7- تدريب الناس على تفريغ الطاقات الانفعالية من خلال الرياضات البدنية، وبناء ثقافة اللاعنف التي تساعد الإنسان على حل مشكلاته بعيدًا عن استخدام الألفاظ القاسية، والسلوكيات العنيفة.

في النتيجة: تبدو أي محاولات لتغيير الواقع العنيف الذي نعيش فيه؛ مجرد أحلام إن لم تلقَ الدعم اللازم من قبل المؤسسات والجهات المسؤولة، ولكنها مع ذلك يمكن أن تكون قابلة للتحقق على صعيد فردي، وتترك بذلك أثرًا صغيرًا كأثر الفراشة ينتشر تدريجيًا ولكنه يحتاج لسنوات طويلة، وهذا يستحق المحاولة، علنا نساهم في خلق مجتمع أقل اغترابًا.

ذو صلة:





المصدر الاصلية للمحتوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى