تكنولوجيا

آخر كلماتها “أنا مش البنت دي”… من قتل بسنت خالد؟


في مجتمعٍ يستيقظ الفجر ليصلي ويكبّر اسم الله وتعلو أصوات أجراس كنائسه في الآحاد، لا زلنا ننتهك الأعراض، لا زلنا نئد البنات، لا زلنا نرجم الطاهرات وكلنا خطايا.

قالوا: (ابتز بسنت مجرمٌ)، قالوا: (فبرك لها صورًا مخلّة، ألا لعنة الله على المبتز!). قالوا: انتحرت، لكنهم يكذبون؛ قُتلت والقاتل لا يزال حرًّا طليقًا، نحميه في بيوتنا، نطعمه ونغذّيه، ونلقّم سلاحه مع كل ضغطة زر ومشاهدة جديدة، حتى يكبر ويترصّد ضحيته التالية، يقتلها فنلعنها ونلعنه.

من هي بسنت؟

بسنت فتاة أقرب إلى أن تكون طفلة، من مصر، من بيئة محافظة، ابتزّها شخصٌ رخيص، وقيل اثنان، بصور مخلّة، لكنّها بنقاء سريرتها ظنّت أن من يعرفها لن يصدقه ورفضت أن تكون تحت رحمته، أيًّا كان ما يطلبه منها.

اعتقدت أنّ أهلها، أقاربها، جيرانها، أصدقاءها وكل من اعتاد أن يسارع ليمسكها إن وقعت، سيسندها هذه المرّة ويكون لها درعًا، ظنت وخاب ظنّها.

نشر لها المبتز الصور ولم يصدّقها أحد. قذفوا ابنة الـ 17 عامًا، قذفها أولئك الذين أمرهم محمدهم أن يتبينوا فسق النبأ، وقال لهم يسوعهم ألا يرجموا بحجارهم ما لم تطهر صحائفهم من الخطايا. انكبوا عليها يرجمونها لفظًا ونعتًا بينما يتداولون صورها وقد أُمروا بغض البصر. ولما ضاقت بها الدنيا فلا أهل يشدّون عضدها ولا أخلاق تردع المحيطين من مشاهدة صورها وسبّها، انتحرت.

فلما غادرتها الروح رحنا ننعيها ونبكيها ونسينا أنّنا مشاركون في الجريمة، فنحن من هيّأ المسرح وأداة الجريمة.

من أعطى للمبتز سلاحًا؟

أنت وأنا وكل من يحمل وصمة العار يلصقها على جبين أخيه، أعطيناه سلاحًا. لماذا في أمة أمرت أن تستر وأن تغض النظر عن عورات جيرانها لا زالت المنشورات والفيديوهات التي تبدأ بكلمة فضيحة، هي الأكثر مشاهدة وتفاعلًا؟ وبلسان الدين نفسه الذي أنكرناه في تعدينا على خصوصية غيرنا، ودعمنا للفاحشة والرذيلة، مدركين أن الناشر يسعى للمشاهدات فقط ولو على حساب أعراض الناس، ثم ندعمه ونساهم في انتشار الفيديو والصور أكثر، بتعليقاتٍ تلعن وتقذف من فيها، تأكيدًا على صلاحنا وطيب أخلاقنا!

تخيّل معي السيناريو الآتي: ابتز بسنت شخصان، ونشرا صورها، فلم يشاهدها أحد أو شاهدها وسكت، أو شاهدها وبلّغ وحدة الجرائم الإلكترونية على مرسلها لأنّه يريد أن تشيع الفاحشة بين الناس واستباح حرماتهم وارتكب جريمةً بعرف القانون! هل كانت بسنت لتكون بيننا الآن؟

أو تخيّل أن يبتزها فترفض مطالبه، فينكرها الناس ويحتضنها أهلها ويقفوا معها في وجه الجميع ويرفعوا دعوى قضائية يطالبون فيها بحق ابنتهم، فيساق المجرمَين إلى زنزانتهما مذمومين مدحورين، هل كانت بسنت لتكون بيننا اليوم؟

أو تخيّل وحلّق قليلًا، ماذا لو انقلبت الأدوار وحاسبنا شابين على حيازتهما لصورٍ مخلّة لفتاةٍ ما، وأنا أكيدة لن تكون صور بسنت الوحيدة في هواتفهما، أو لو اطلعنا على محادثتهما، وأنا لا أجيز التعدي على خصوصية أحد، لكن أريد منك حتى ولو اقشعر جسمك وانتفض رافضًا الفكرة، أن تتخيل ماذا لو حاسبنا الشاب على تصرفاته التي تخل بالأخلاق كما نحاسب الفتاة هل كانت بسنت لتكون بيننا الآن!

أو تخيّل لو أطاعتهما بسنت في مسعاهما، ولك أن تتخيل مرادهما، وفي زمنٍ تستطيع أن تخفي فيه كل شيء، ما كنت أنا ولا أنت لنعرف عن بسنت شيئًا، هل كانت بسنت لتكون بيننا الآن؟

هل يعجبك أن تخاف الفتاة الطاهرة العفيفة من حديثي وحديثك عنها بالأوصاف التي نعتت بها فتبيع نفسها للشيطان؟ اليوم، غدًا أو بعد غدٍ سيبهت بريقها في عينيهما ويبحثا عن ضحيةٍ أخرى، فهؤلاء يستمتعون بالصيد، وعندها سيفبركون صورًا جديدة، من يدري لمن؟ لي، لك، لأختك، أم ابنتك، صغيرتك ملاكك الطاهر. ومن يدري في أي سيناريو مما سبق ستكمل القصة! هل كنت ستضغط الزر عندها؟ هل كنت ستقذف وترجم وتشتم حينها؟ أم ستقرأ رسالةً كهذه؟

يا ريت تفهميني أنا مش البنت دي

أنا يا ماما مش قادرة أنا بتحرق

مش أنا حرام عليكم

رسالة بسنت إلى أمها

هل من بسنت غير بسنت؟

في الحقيقة فكرت أن أجري بحثًا على الإنترنت لأجيب على هذا السؤال، لن يستغرق الأمر مني أكثر من 10 دقائق، لكن عاد إلى ذهني مباشرةً أننا في مجتمعاتنا العربية “نداري على فضائحنا” فلا نبوح فأيًّا كان الرقم الذي سأذكره لن يكون دقيقًا.

بالمقابل سأذكّرك بحادثة ضجت بها وسائل التواصل من مدّة عن متحرش الجامعة الأمريكية وعن عدد الحالات التي انهالت تخبر بأنها حدث لها مثل ذلك، إثر انتشار القصة وبعد أن تأكدت الفتيات أنهن لن يتهمن بالافتراء وهن كثر!

كذلك سأسألك كم من فتاة اشتكى ذووها انسحابها فجأة من بينهم، وانطفاءها وشرودها وأنهم إن تركوها عادوا ليجدوها تبكي! وكم من حادثة انتحارٍ مرت دون أن تترك وراءها رسالة أو رميت تلك الرسالة تجنّبًا للفضائح!

ما الرسالة التي نوجهها اليوم لكل فتاة تتعرض للابتزاز بعد قصة بسنت، اخضعي له ولطلباته، فلا أحد سيصدقك، وأن تبيعي نفسك خيرٌ من أن تلحق بك الفضيحة!

ماذا لو لم تكن الصور مفبركة؟

لن يختلف شيءٌ مما ذكرته أعلاه، ما الحكم إلا لله، لا يعود الأمر لي ولا لك لنحكم، أخطأت أو لم تخطئ فهل كانت مظلومة؟ لا خطأ يستحق أن تزهق الروح لأجله، كلّ خطأ يجبر إلا قتل النفس، فلماذا قتلناها؟

الخطأ معجونٌ فينا، ولست أبرر الخطأ على الرغم من أنّه نسبي ومصطلحٌ فضفاض وما تجده خطأ قد يجده غيرك أمرًا عاديًا، فاستغن اليوم عن التعليق المعتاد الذي تتهم فيه الكاتب والمجلة بالدعوة إلى الخطيئة والرذيلة، لأنّني أدعوك أن تترك العامة وتلزم أهل بيتك ونفسك.

سأسألك ولا أريد منك إجابة، كم من فعلٍ لو اطّلع عليه الناس لوليت منهم خجلًا! اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، نعاني من النفاق، سنعلق لاعنين فعلتها ومحادثاتنا الخاصة تقف متعجبةً منا تشهد شخصًا غير الذي يعلّق! نترك تعليقاتٍ نلعن فيها الفنانات اللواتي تمتلئ بيوتنا بألبوماتهن! ثم نترك تعليقًا لاحترام الآخر ونشن حربًا على مغنٍّ اعتزل أو مغنيةٍ حلقت شعرها، نزدري من سوء المحتوى وتفاهته على تيك توك ونحن من يشهره وينشره!

أستحلفك بمقدساتك دع الخلق للخالق، وتذكّر “من لم يكن منكم بخطيئة فليرمها بحجر”.

ماذا أفعل لو كان في بيتي بسنت؟

عندما كنت في السادسة عشر من عمري، حدثتني صديقتي أنّ جارتها شاهدتها مع شاب، تبين لاحقّا أنّه قريبها، وسارعت تشكوها لأمها التي استقبلتها بلطمة على الباب، إذ كان ذلك عندهم من الكبائر، أن تمشي مع شاب. يومها لم تصدق أمي القصة وقالت لي عبارةً لن أنساها: “لو أخبرتني جدتك، تقصد أمها، بأي شيءٍ ما صدقت حتى أسمع منك”. هذه العبارة لجمتني حتى اليوم عن أن أكذب عليها، قد أخطئ أو أتهرب من الإجابة لكّنني لا أكذب عليها.

الثقة، الاحتواء والدعم مهما فعلت ابنتك أو فعل ابنك أمور أساسية لا يمكنك الاستخفاف بها، الشك يخلق كذّابًا، ولو وجد كل طفل دعمًا وثقة في أهل بيته ما تجرّأ مبتز ولا متحرش أن يخيفه بهم.

أخبر أولادك أنّهم بأمان وأن لا خطأ سيحرمهم من دعمك، لا تبالغ في اللوم والعتاب ولا تتوعد، لا أعتقد أن كلام أهل المنطقة يبدو اليوم مهمًا لأهل بسنت، أجّل العتاب حتى تُحلّ المشكلة.

الجأ للقانون، في كل بلد اليوم هناك قسم لمكافحة الجرائم الإلكترونية، خذ ابنتك مع الأدلة وتوجّه إليه، وادعم ابنتك بين الناس ولا تسكت عن حقّها.

ليس العار أن أحدهم شاهد ابنتك في لباسٍ غير لائق، لكنّ العار أن يعتقد أنّه يجرؤ أن يؤذيها وأنت موجود.

رحم الله بسنت وقلب أهلها.

اقرأ أيضًا: يخطئ طبيب فَيُلام الطبيب، تخطئ طبيبة فتُلام النساء!

 

ذو صلة:





المصدر الاصلية للمحتوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى