تكنولوجيا

أمام تعاظم الطموحات وقصر الحياة يقف طيش الأربعين على المحك


لعلّ نموّ أطفالك ووصولك إلى مكانٍ مريح في حياتك المهنيّة يشعرك بفيضٍ من مشاعر الإنجاز والامتنان. ومع ذلك، يواجه الكثير ممّن وصلوا إلى هذه المرحلة من حياتهم سؤالًا صعبًا ألا وهو أين ذهب شبابي؟ يمكن أن يقودك هذا التساؤل إلى المرور بمرحلة حسّاسة في حياتك تعرف عمومًا بأزمة منتصف العمر أو طيش الأربعين.

ربّما قد شاهدت الكثير من العبارات المبتذلة عن أزمة منتصف العمر في الأفلام والتلفزيون، مثل رجلٍ في منتصف العمر يشتري سيّارةً حديثة أو امرأة تغوص وتعوم في عالم الجراحة التجميليّة. أمام هذه الفترة الحقيقية والشائعة جدًّا ستطاردك سنوات الشباب الضائعة والرغبة في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لتبدأ رحلة إعادة النظر إلى العقود السابقة من حياتك، مختبرًا ذلك الفيض من مشاعر الاعتزاز والارتياح، وعلى النقيض تمامًا قد تعتريك مشاعر الحزن والندم لتعارض واقعك الحاليّ مع سقف طموحاتك وتوقّعاتك المنسية، فزواجك لم يكن رومانسيًّا كما كنت تأمل أو أنّ حياتك المهنيّة لم تعد ترضيك أو تشعل حماسك وشغفك.

ما هي أزمة منتصف العمر؟

مصطلح “أزمة منتصف العمر” موجودٌ منذ ستّينيات القرن الماضي، يصف الانتقال الطبيعيّ الذي يحدث لكلّ من الرجال والنساء من مرحلة الشباب إلى أشخاص بالغين أكبر سنًّا، عادةً ما تحدث هذه النقلة بين سن 38 إلى 50. قد يبدأ بعض الأشخاص في خوض هذا الصراع باكرًا مع مرور شبابهم عامًا بعد آخر، والدخول في معركة تقييم حياتهم وإنجازاتهم وأحلامهم. يمكن أن يمرّ معظم الناس في أزمة منتصف العمر دون خوض الكثير من المتاعب، إذ يستعيدون اتّزانهم بسرعة، بالمقابل سيعاني البعض الآخر من الاكتئاب أو القلق من مواجهة المرحلة التالية من حياتهم.

الأسباب الكامنة وراءها

بالنسبة للعديد من الأشخاص يمثّل منتصف العمر مفترقًا ونقطة تحوّل خلال حياتهم، إذ تبدأ عملية تغيّر وتبدّل العلاقات والأدوار. في هذه المرحلة سيتحمّل بعض الأشخاص مسؤوليّة رعاية آبائهم الطاعنين في السن، أو قد يشعرون أنّ أبناءهم يكبرون بسرعةٍ كبيرة، ليبدأ شعور الفراغ والإحباط المقنّع بالندم يتسلّل إلى أعماقهم. كذلك تصبح مرحلة الشيخوخة أكثر وضوحًا من أيّ وقتٍ مضى خلال هذه الفترة، إذ يصاب بعض الأشخاص بالأمراض والعلل المزمنة بينما قد يبدأ البعض الآخر في ملاحظة انخفاض قدراتهم الجسديّة.

قد يكون منتصف العمر وقتًا لإعادة التفكير والنظر إلى الماضي وسنينه الفائتة، ليجد الناس أنفسهم موضع التساؤل والحيرة عمّا ستبدو حياتهم عليه إذا سلكوا طريقًا مختلفًا. قد يندم بعض الناس على عدم اختيار مسارٍ وظيفيّ مختلف أو عدم تحقيق الحياة والأحلام التي كانوا يحلمون بها ذات مرة. وفي المقابل سيدخل العديد من الأشخاص حالة النوستالجيا والحنين الذي سيشعله وميض الأيام السعيدة والهانئة في حياتهم.

العلامات المنذرة بأزمة منتصف العمر

عندما تدرك أنك تتقدّم في السن، فمن الطبيعي تمامًا أن تشعر ببعض القلق أو الندم، لكن للأسف يمكن أن تؤدّي أزمة منتصف العمر إلى آثار جانبيّة خطيرة قد تؤثّر على حياتك العاطفيّة والجسديّة والماليّة. لذلك من خلال فهم أعراض هذه المرحلة يمكنك تحصين نفسك جيّدًا للوقاية من تداعياتها السلبيّة. إليك أبرز الأعراض المشاهدة خلالها:

  • الشعور بالملل واللامبالاة مع فقد الحماس والاهتمام للأشياء التي اعتدت على الاستمتاع بها.
  • أزمات نفسيّة مقنّعة بمظاهر جسديّة تترجم بالمعاناة من الصّداع واضطرابات الجهاز الهضميّ.
  • الدخول في معركة الاستجواب والتقييم الذاتي، وطرح التساؤلات العميقة حول المكان الذي أردت بلوغه في الحياة مقابل مكان تواجدك الحالي.
  • إطلاق ردّات فعل طائشة واتّخاذ قرارات متسرّعة لا تُحمد عقباها.
  • رفض الفرص وتضييعها بوضع حدود جديدة مقيّدة للتعامل مع الآخرين، والإكثار من قول لا لأيّ نشاطٍ أو مغامرةٍ جديدة.
  • اضطرابات النوم والمعاناة من الأرق.
  • الدخول في دوامة الأفكار التشاؤميّة والقاتمة حول ما يخبّئه المستقبل لك.
  • يساورك شعور القلق إزاء أزمة مظهرك وتجاعيد وجهك، أو على النقيض تمامًا قد تهمل رعاية مظهرك.
  • اعتقادك أنّ جميع الأحداث الرائعة والممتعة التي ستحدث في حياتك قد حدثت بالفعل في مرحلة الشباب.

المراحل التي يمرّ بها الشخص خلال أزمة منتصف العمر

ستختبر خلال أزمة منتصف العمر ثلاث مراحل فضفاضة:
مرحلة الاستفزاز والقلق: تؤدّي بعض الضغوطات أو لحظات التوتر إلى مخاوف بشأن التقدّم في العمر، أو فقدان الهدف أو المعنى من الحياة أو الخوف من الموت. من أشيع العوامل المحرّضة لهذه المرحلة، فقدان الوظيفة، أو المخاوف الصحيّة، أو وفاة أحد الوالدين أو مرضه، أو مغادرة الأولاد للمنزل، أو حتّى الإرهاق والضغط اليومي.

مرحلة الأزمة الوجودية: تتضمّن هذه المرحلة إعادة تقييمٍ واختبار لشكوكك وعلاقاتك وقيمك وشعورك بالذات، فإذا لم يعجبك ما قد تكتشفه عن نفسك، ستدخل مرحلة الشعور بالضياع والحيرة وعدم اليقين، وتبدأ بإعادة تشكيل حياتك من خلال استكشاف عواطف وهويات وعلاقات جنسيّة أو رومانسيّة جديدة.

مرحلة الثبات: أو انحلال الأزمة بشكلٍ عام، وذلك عندما تشعر بارتياح أكبر مع نفسك وتبدأ في التسليم والقبول، وربّما حتى بالترحيب والامتنان لما تخبّئه الحياة لك.

اختلاف أزمة منتصف العمر بين الجنسين


يمكن أن تؤثّر أزمة منتصف العمر على كلّ من الرجال والنساء بشكلٍ متساوٍ تقريبًا، فحوالي 13٪ من النساء و 15٪ من الرجال تعتريهم موجة من الاضطرابات العاطفيّة خلال سنواتهم الوسطى، لكن قد يبدو الأمر مختلفًا لدى كلّ من الجنسين.

إنّ الصورة النمطيّة التي يظهرها بعض الرجال تتمثّل بشراء سيّارة رياضيّة حمراء أو الميل لإنفاق نقودهم على أشياء ثانويّة فارغة من دون هدف، بالطبع هذا ليس هو الحال دائمًا، فالكثير من الرجال يُبدون رغبةً وعزيمة في إثبات شيءٍ ما، فقد يقيس الرجل قيمته من خلال أدائه الوظيفيّ ومدى نجاحه في تحقيق أهدافه وتطلّعاته المهنيّة.

أمّا بالنسبة للمرأة في كثيرٍ من الأحيان ستترجم قيمتها واستحقاقها في هذه المرحلة من خلال مدى صلاحيتها في مختلف العلاقات، بالإضافة إلى التركيز على مظهرها وفيما إذا كانت تشعر بالجاذبية الجنسيّة أم لا. حتّى لو كانت تمتلك مهنةً وتعيش حالة استقرار وظيفيّ وماليّ، فمن المرجّح أيضًا أن تلجأ إلى تقييم أدائها كزوجةٍ أو أمّ أو كليهما.

المدّة الزمنيّة التي تستغرقها هذه الأزمة


لا يوجد جدولٌ زمنيٌّ محدّد لـ “أزمة منتصف العمر”، سيتعامل الناس مع المشاعر الصعبة وغير السارة بطرقٍ مختلفة، وهذه العمليّة لن تحدث دائمًا بسلاسة.

إذا كان من السهل الوصول إلى حالة من التصالح مع الشيخوخة والمخاوف الوجوديّة المتولّدة عنها، فقد تحلّ وتتبدّد هذه المشاعر في غضون أسابيع أو أشهر قليلة.

من ناحية أخرى، إذا كنت لا تزال تواجه ضغوطًا جديدة تؤدّي إلى تراكم المزيد من المضاعفات على المحنة التي تعاني منها مسبقًا، فقد تستمرّ فترة الأزمة لعدّة أشهر أو حتّى لسنوات.

نصائح وتوصيات لتجنّب التداعيات السلبيّة لأزمة منتصف العمر

يمكن أن يؤدّي التخبّط والفوضى العاطفيّة المصاحبة لأزمة منتصف العمر إلى الكثير من المشاعر والقرارات الجادّة بشأن حياتك. ومع ذلك، لا يجب أن تكون هذه الفترة من حياتك محكومةً بالسلبية والتشاؤم بل يمكن أن تتحوّل إلى شيء يحسّن ويرفع من جودة ونوعية حياتك. فيما يلي بعض النصائح التي قد تساعدك على تخطّي هذه المرحلة بامتنانٍ وسلام والتطلّع إلي مستقبلٍ أكثر إشراقًا.

  • الإقرار والاعتراف بالتغييرات التي تحدث في حياتك.
  • التحدّث إلى أصدقائك المقربين أو أفراد عائلتك للحصول على رأيهم وتبادل وجهات النظر قبل إجراء أيّ تغييرات جذرية.
  • الانخراط في تجربة نشاطات جديدة أو أعمال تطوّعية أو البدء بتعلّم أشياء جديدة.
  • يمكنك أخذُ قسطٍ من الراحة، والتخطيط لرحلة سياحيّة أو للسفر لمكانٍ جديد يخرجك من منطقة راحتك.
  • إعادة النظر في الأحلام القديمة أو خلق أهدافٍ جديدة.
  • التركيز على صحتك الجسدية من خلال ممارسة الرياضة والتغذية السليمة.

اقرأ أيضًا: الضريبة الوردية… هل فكرت يومًا كم هو مكلف أن تكون امرأة؟

ذو صلة:





المصدر الاصلية للمحتوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى